Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

 

تقديـــــــــــم:

         عادة ما يحدد الإنسان ويعرف كحيوان ناطق. فيكون وفق هذا التعريف جوهرا ثابتا واحدا مشتركا لا يتغير لا بتغير المكان ولا الزمان. لكن و مع تطور الوعي الإنساني تطور الوعي بتاريخية الإنسان. فأصبح ينظر إليه ككائن تاريخي، تتحدد هويته من خلال انغراس ذاكرته في الماضي ونزوع وعيه نحو المستقبل. إنه كائن يطور وجوده عبر تمرحل تاريخي في الزمن ليتحول هذا الوجود إلى حادثة تاريخية. إن التاريخ يتجسد في البعد الشخصي للإنسان و في البعد العلائقي لوجوده.

         إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يدفع الإنسان إلى محاولة معرفة تاريخه وماضيه؟ هل يمكن معرفة الماضي، وهل يمكن أن تتحقق معرفتنا بالتاريخ الإنساني؟ هل هاته المعرفة سردية إخبارية تنقل ما وقع وكما وقع، أم علمية تحقق النظر وتعيد بناء الوقائع التاريخية وتكشف عن أسبابها؟ وإجمالا، هل يمكن للتاريخ أن يكون علما؟

إذا كان التاريخ يحيل على فكرة التقدم، فهل يتقدم التاريخ فعلا؟ هل يدل عن توالي أحداث من الماضي مرورا بالحاضر نحو المستقبل؟ هل هو تراكمي يتطور فيه اللاحق من خلال ما سبقه؟ وهل يخضع التقدم التاريخي، إن تقرر، لقوانين موضوعية؟

إذا كان التاريخ مرتبط بالوجود الإنساني، فما دور الإنسان في التاريخ؟ هل يمكن القول أن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم؟ ألا يخضع التاريخ لغايات خارجة عن الإرادة الإنسانية والفاعلية البشرية؟ أليس البشر أدوات في يد التاريخ لتحقيق تلك الغايات؟         

المشكلالأول: المعرفة التاريخية.

         إذا كانت معرفة التاريخ حيوية بالنسبة للإنسان، فإن هاته المعرفة تطرح إشكالات تعود إلى طبيعة موضوع التاريخ. فكيف يكون الماضي موضوعا للمعرفة وهل يمكن معرفته معرفة علمية؟

يمكن أن نعتبر في البداية أن موضوع التاريخ هو ماضي بشر، جماعات وأفراد، تركوا بصماتهم على سير الحوادث الماضية. فالظاهرة التاريخية متميزة عن الظاهرة الطبيعية، ليس من حيث كونها ظاهرة إنسانية واجتماعية فقط، بل لكونها ظاهرة فريدة لا تتكرر أيضا.فكل ظاهرة تتخذ لها موقفا في الزمان لا رجعة فيه. كما أنها من جهة أخرى ظاهرة تحمل معنى، إنها ليست آلية بل إنها تهدف تحقيق غايات محددة قد يرسم الإنسان معالمها ويحدد لها ما أمكنه من إمكانات. و بما أنها كذلك فإنها غير قابلة أن تعاد، كالظاهرة الطبيعية، في ظروف اصطناعية. إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن نفهم الماضي ونبني معرفة موضوعية به؟

في كتابه'' التاريخ والحقيقة " حاول بول ريكور، أن يبني تصورا جديدا عن مفهوم الحقيقة التاريخية من خلال تحليل عمل المؤرخ وإنتاجه للمعرفة التاريخية. واعتبر أن فهم الماضي، لا يتوقف على مجرد تسجيل المعطيات الخام. بل يستوجب عملا منهجيا لبناء موقف موضوعي.فتتم مساءلة  الوثائق واستنطاق الآثار التاريخية لتُفصح عن غير ما ُتصرح به ظاهريا. أي أن المؤرخ يعيد تكوين الواقعة التاريخية انطلاقا من فرضية عمل تضفي معنى عليها. إن الواقعة التاريخية في نظر ريكور، ليست هي المعطى الخام والمباشر بل إنها نتاج عمل المؤرخ. بهذا تكون الواقعة التاريخية كأية واقعة علمية، بناء يشيده العالم ويبنيه. نخلص أن المعرفة التاريخية تتأسس على النقد أي الفحص الدقيق للماضي من أجل إعطائه دلالة موضوعية، من خلال ملاحظة الوثائق والآثار وفحصها ظاهريا وباطنيا، ثم إعادة بنائها من أجل فهمها فهما علميا.

         لكن أليس للمنهج النقدي حدودا على اعتبار أن موضوع التاريخ ظاهرة إنسانية وأن المؤرخ يدرس وقائع واعية؟فالحرب مثلا، ليست حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالات وغايات. ألا تستدعي المعرفة التاريخية،إذن،نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ وفي المقابل ألا تتعارض هذه الذاتية مع الموضوعية كمطلب علمي؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. فالتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو يعني خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (الفاعل التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لا يصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي.

         على خلاف ما سبق يعتبر، ريمون آرون، في كتابه" دروس حول التاريخ"  أن المعرفة التاريخية هي إعادة بناء ما كان موجودا وانقضى وجوده، انطلاقا مما بقي منه كآثار. لكن هذا البناء يحتاج إلى مجهود منهجي لأن عالم الماضي ليس كعالم الحاضر. فهذا الأخير عالم مألوف وهو بذلك، مفهوم ودال بشكل طبيعي وتلقائي.وتكون معرفتنا به تلقائية في حين تحتاج معرفة الماضي إلى بحث وتحقيق وتنقيب وتبقى، مع ذلك، معرفة بعدية جزئية مؤقتة ونسبية.إنها محاولة للاقتراب من الماضي دون بلوغه بشكل نهائي.

         نستنتج أنه إذا كانت المعرفة التاريخية تسعى إلى استحضار الماضي وفهمه، فإن هاته العملية تصطدم بعدة عوائق أهمها كون الظاهرة التاريخية ظاهرة إنسانية واعية، وثانيا المسافة الفاصلة بين الماضي والحاضر. فتظل المعرفة الدقيقة بمعاني ودلالات سلوكات الذين عاشوا قبلنا عملية صعبة تتطلب عددا فكرية و حذرا منهجيا على اعتبار أن المعرفة التاريخية تتميز عن أية معرفة علمية أخرى.

المشكل الثاني: التاريخ وفكرة التقدم.

          إذا كان التاريخ تسلسل لأحداث، فهل يخضع هذا التسلسل لمنطق خاص؟ هل يتقدم التاريخ نحو مصير محتوم؟

إذا كان بعض المفكرين قد أكدوا على أن التاريخ يعيد نفسه. كابن خلدون حين اعتبر أن كل عمران بشري يسير وفق لحظات ثلاث، وكأنه مجموع حلقات مُغلقة، تكون لها بداية ثم ازدهار ثم انحطاط، لتبدأ حلقة جديدة من بداية ثم ازدهار ثم انحطاط وهكذا دواليك. فإن فكرة التقدم قد حضيت بتأييد العديد من المفكرين الآخرين.فأكد هيجل على أن التقدم هو حقيقة الجدل وجوهر الصيرورة التاريخية. فحركة التاريخ في نظره، هي تقدم يحكمه النفي لتحقيق الفكرة المطلقة. وفي كتابه " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" حاول ماركس، من منظور المادية الجدلية، الإجابة عن سؤال صيرورة التاريخ وأساس تقدمه. فاعتبر أن تصور هيجل مثالي ومقلوب. فليست جدلية الفكرة  المطلقة هي ما يحدد صيرورة التاريخ، بل هو الوجود الاجتماعي الاقتصادي والمادي للناس. إن تقدم التاريخ هو انتقال من نمط إنتاج إلى آخر بفعل الصراع الطبقي. إن حركة التاريخ صيرورة ضرورية بفعل التناقض بين قوى الإنتاج ووسائل الإنتاج. فحينما يبلغ تطور قوى الإنتاج مداه، وتحول علاقات الإنتاج السائدة دون التقدم، تعمل الطبقة التي يكون التقدم في صالحها، على التغيير الثوري لعلاقات الإنتاج السائدة. بهذا تم الانتقال من نمط الإنتاج الفيودالي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي،بفعل نضال الطبقة البورجوازية. وعندما تستنفذ هذه الطبقة إمكاناتها سيتم الانتقال إلى نمط الإنتاج الاشتراكي بفعل نضال الطبقة البروليتارية. وبعد ذلك سيتم الانتقال إلى نمط الإنتاج الشيوعي. نستنتج أن هذا التصور يعتبر أن الجدل هو قانون التقدم التاريخي نحو نمط إنتاج تنتفي فيه الطبقات. و أن للتقدم التاريخي غاية ونهاية هي مجتمع تتحقق فيه المساواة وهو المجتمع الشيوعي.

من منظور نقدي أعاد العديد من المثقفين اليساريين، قراءة التراث الماركسي .كالفيلسوفين الفرنسيين لويس ألتوسير و موريس ميرلوبونتي. فهذا الأخير انتقد النظرة الحتمية للماركسية وإغلاقها الباب أمام العرضي والمفاجئ في التقدم التاريخي. فقد انطلق من التسليم بأن للتاريخ منطق ونظام ما وأنه يسير نحو نهاية معينة، لكن هذه الصيرورة وهذا التسلسل ليس ميكانيكيا ولا مغلقا. فميرلوبونتي  يؤاخذ على ماركس اعتباره التقدم التاريخي خاضعا لحتمية اقتصادية، كشرط موضوعي مستقل عن إرادة الناس، وأن التاريخ يتجه نحو غاية واكتمال ما و هو المجتمع الشيوعي المنشود .يرفض ميرلوبونتي اعتبار التاريخ  نسقا مغلقا، وأن تسلسل أحداثه ينتج عن نظام صارم يخضع لشروط موضوعية تتجاوز حرية الأفراد. وفي المقابل  يعتبر أن للتاريخ عرضية تتجلى في كون التقدم يعرف فراغات واحتمالات وإمكان وقوع ما لم يكن في الحسبان . فالإنسان الذي يصنع التاريخ، موجود منفتح على الممكن وليس على الحتمية التي تنفي حريته في الوجود.  

نستنتج أنه إذا كان من الممكن قبول أن للتاريخ منطق اتجاه وغاية، فإن هذا لا يعني نفيا للعرضية التي تؤدي دورا أساسيا في التاريخ.

المشكل الثالث: دور الإنسان في التاريخ.

         ما   دور الإنسان في التاريخ؟ هل الناس هم الذين يصنعون تاريخهم الخاص يقررون ما يشاءون صُنعه ويتحكمون في صيرورة إنتاج أحداثه، أم أن التاريخ يخضع لجدلية ضرورية تتجاوز حرية الناس وإرادتهم؟ هل يتحدد التاريخ البشري بالفاعلية الإنسانية أم أن للتاريخ غايات يتحول معها الناس إلى مجرد وسائل وأدوات لتحقيق تلك الغايات؟

في هذا الإطار، يعتبر الفيلسوف الألماني الكبير، فريدريك هيجل، أن التاريخ هو نتاج لغاية تتجاوز الفعل البشري. إنه الفكرة المطلقة وهي تحقق نفسها في الزمن في مجالات مختلفة. من هذا المنظور يعتبر هيجل أن الناس والعظماء ليسوا إلا وسائل تحقق غايات العصر والروح المطلقة. فإذا كانت الأحداث التاريخية تبدوا أنها ناتجة عن أفعال العظماء، فإن هذا لا يعبر عن المعنى الحقيقي للتاريخ. إن سر عظمة أفعال العظماء يكمن في أنهم يستطيعون إدراك حقيقة الفكرة المطلقة ويفهمون منطق التاريخ. من ثمة يساهمون في تحقيق هذه الفكرة كل في مجاله، ويجسدونها بعد ما كانت مضمرة. فالهيجلية مثلا هي تجسيد لروح العصر ولروح الثقافة الألمانية،في مجال الفلسفة على يد هيجل. والوحدة الألمانية هي تجسيد لروح العصر في مجال السياسة على يد بسمارك.تلخص إذن، دور هذين العظيمين في كونهما أدركا روح العصر وحقيقة اتجاه الفكرة المطلقة في مجال الفلسفة والسياسة في حقبة محددة من تاريخ ألمانيا. ولو لم يكونا لتحققت الفكرة على يد شخصين آخرين. 

نستنج إذن أن مكر التاريخ يكمن في أنه يستخدم الناس لتحقيق غاياته الكلية. إن الناس ليسوا سوى منفذي غايات الفكرة المطلقة أو الروح، وهذا شيء يتجاوز البشر والمجتمع وإرادة الناس.

         في المقابل تعتبر الفلسفات الوجودية عموما وسارتر على الخصوص أن الإنسان يصنع تاريخه متى وعى شروط أفعاله والممكنات المتاحة أمامه. من هذا المنظور يختلف مع كل اتجاه ينفي حرية الإنسان ويجعل وجوده مقيدا بشروط خارجة عن إرادته. إن الإنسان في نظر سارتر هو الكائن الوحيد القادر على تجاوز وضعه بالممارسة و من خلال تحديد غايات لذاته ولأفعاله واختيار إمكانية من بين الإمكانيات المتاحة أمامه. إنه يحدد أهداف لذاته لتجاوز وضعيته. إن الإنسان يصنع التاريخ عندما يتجاوز وضعيته نحو حقل ممكناته ويحقق إحداها. من هذا المنظور لا يخضع الإنسان لإرادة خارج إرادته، ولا يحقق غايات غير تلك التي حددها لذاته كمشروع في إطار ممكناته وفي إطار ما يتيحه له وجوده.

         نخلص مما سبق أنه قد نعتبر إن دور الإنسان محكوم بالحتمية التاريخية، فلا يكون الإنسان إلا وسيلة لتحقيق غايات التاريخ وروحه. لكن هذا التصور قد ينفي الممارسة التاريخية والفاعلية الإنسانية الواعية باختياراتها. من ثمة يمكن أن نعتبر أن البشر فاعلون وصانعون لتاريخهم  كلما كانوا واعون بشروط وجودهم الموضوعية و اكتشفوا ما يتيحه لهم هذا الوجود من إمكانات.

خلاصة عامة:

         إذا كان التاريخ بعد أساسي من أبعاد الوجود الإنساني فإن مسائلته تتيح إمكانية فهم ذلك الوجود بعمق. وإذا كانت المعرفة شرط الحرية فإن المعرفة التاريخية تتيح للإنسان إمكانية التحرر من ثقل ماضيه و رسم معالم مستقبله بثبات. ومن جهة أخرى تمكن الإنسان من معرفة ذاته و غيره. وبما أن للتاريخ منطق واتجاه فإن ذلك يسمح بالتنبؤ لكن هذا لا يعني المعرفة المطلقة بما سيقع لأن الصدفة والعرضية يلعبان دورا أساسيا في التاريخ. وأخيرا إن مكانة الإنسان في التاريخ تطرح عدة إشكالات، فإذا كان الإنسان فاعلا تاريخيا على اعتبار أنه حر وواع بغاياته وأهدافه وقادر على إنتاج معرفة بذلك، فهناك ما يفلت منه ويتجاوز قدرته مما يجعلنا نشك في كونه فاعلا تاريخيا.        

 

خلاصة عامة لمجزوءة الوضع البشري.

         اتضح من خلال كل ما سبق، أن الوضع البشري وضع إشكالي: يتداخل فيه البعد الشخصي العلائقي و الزماني، الذاتي والموضوعي.هذا ما يتطلب أولا، مقاربة وتفكيرا منفتحين يستوعبان هذا التداخل.وثانيا، تناول المفاهيم الأساسية التي يفتح عليها الوضع البشري- مفهوم الشخص، مفهوم الغير ومفهوم التاريخ- في ترابطها وتلازمها. ومن جهة أخرى إن الوضع البشري يحيل على مفارقة تشرط الوجود الإنساني وتتمثل في علاقة الضرورة بالحرية. فإذا كان الوضع البشري، سواء في بعده الشخصي أو العلائقي أو التاريخي، يخضع لضرورات مختلفة( بيولوجية أخلاقية اجتماعية علائقية) تشرطه وتحدده، فإن ذلك لا يعني النفي المطلق للحرية والإرادة الإنسانيتين. إن الإنسان، بوصفه ذاتا واعية أو فردا في جماعة أو بوصفه كائنا تاريخيا، لديه من الوعي ومن الحرية ما يجعله يتجاوز وضعه ويتحرر من قبضة ماضيه لينفتح على مستقبله وعلى ما يختاره لنفسه في إطار ما تتيحه الشروط المادية الموضوعية لوجوده.

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact