Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

 

تقديـــــــم:

إذا كان التفكير في الوضع البشري يقتضي منا تناول الإنسان كشخص، فإن ذلك يقتضي منا أن لا  نهمل البعد العلائقي كذلك. فالوجود الإنساني ليس وجودا ذاتيا صرفا بل إنه أساسا وجود جماعي. وجود ترتبط وتتفاعل فيه الذوات  مع أغيارها.من هنا يكون مجال مفهوم الغير هو تلك العلاقات البشرية بمختلف أبعادها الوجودية والفكرية و الوجدانية. و من غريب الصدف ألا يطرح مفهوم الغير كمشكل فلسفي إلا حديثا.لقد ركزت الفلسفة على الذات الواعية والأنا المفكر كأساس للحقيقة وللعلم، فأقصت بذلك المجتمع والتاريخ والغير كمكونات للمعرفة وللحقيقة.فلم ينظر ديكارت ، مثلا، إلى الغير إلا كجسم مثل باقي الأجسام. ومع الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل سوف يتم التأسيس الفلسفي لإشكالية الغير. لقد أصبح الغير يدل على معاني الذات الواعية و الأنا المفكر . أو كما يقول سارتر إنه <<الأنا الذي ليس أنا >>. فلم يعد الأنا كيانا مستقلا عن الغير. إذا كان الأمر كذلك، فكيف تتحدد علاقة الأنا بالغير؟ هل هناك من ضرورة لوجود الغير؟ هل يعتبر الغير تهديد للأنا أم شرط وجوده؟ ومن جهة أخرى و إذا كان الغير أنا آخر فهل هناك إمكانية لمعرفته؟ هل تتم هاته المعرفة ــ إذا كانت ممكنة ــ باعتباره ذاتا أم بوصفه موضوعا؟ أو بصيغة أخرى ألا يفقد الغير صفته كأنا ويصير موضوعا كباقي الموضوعات والأشياء؟ كيف يمكن أن أتأكد من وجوده كأنا إذا كنت لا أعرفه إلا كموضوع؟ كيف تتحدد علاقة الذات مع الغير؟ هل يمكن للذات أن تؤسس مع الغير علاقة خالية من التشييء والاستلاب والعنف؟  وما القيم والرهانات الأخلاقية التي تترتب عن علاقة الأنا بالغير؟

المشكل الأول: وجود الغير.

        إن إشكالية الغير باعتباره ذاتا أخرى في مقابل الذات العارفة، إشكالية حديثة بحيث لم تبرز إلا مع الفلسفة الجدلية لهيجل ضدا على الفلسفة الذاتية عند ديكارت على الخصوص.

إن اليقين الأول الذي تقوم عليه فلسفة ديكارت هو وجود الذات كأنا مفكر. فديكارت يعتبر أنه بإمكان الإنسان أن يشك في كل شيء إلا في كونه أنا مفكر .تحقق الذات هذا اليقين من خلال تأملها لذاتها ولأفعال تفكيرها: فأنا الآن أشك، أفكر… من هنا لا يمكن أن أشك في وجودي .فما دام فعل التفكير موجود فلا شك في أن من يقوم بفعل التفكير موجود كذلك. لهذا يعتبر ديكارت أن يقين الأنا أفكر هو نموذج ومرجع وضامن كل يقين آخر. إن إثبات وجود الذات في نظر ديكارت إذن، لا يتوقف على أي عامل خارجي عنها، أو بعبارة أخرى إن وجود الأنا مستقل تماما عن وجود الغير أو الذوات الأخرى.

في المقابل تعتبر العديد من الفلسفات أن الأنا الديكارتي تجريد ووهم، فلا وجود لأنا ولا لوعي معزول في العالم. إن ارتباط الذات بأغيارها ضرورة أنطولوجية و معرفية .وإذا كان الأمر كذلك فهل هذا الارتباط ينفي الاختلاف ويمحي التمايزات ويذوب الأنا في الجماعة؟                

        يرى الفيلسوف الألماني "مارتن هايدجر"  أن الكينونة أو Dasein  بمعنى الوجود العيني واليومي، يخفي الإنسان بحيث يضيع في الجماعة. من هنا تأكيد هايدجر في كتاباته، على صيغة (on) كفاعل مصرح به يدل على الجميع دون أن يعني أحدا. يصرح هايدجر أن "الوجود ـ مع ـ الغير" يفقد "الوجود ـ هنا" ما يميز هويته وتفرده. أي أن الحياة المشتركة تعمل على خلق ذوات متشابهة. بحيث يذوب الفرد في الجماعة، وتفقد الذات تميزها وأصالتها وتخضع لهيمنة الغير وسلطته. إن الوجود مع الغير يذيب وجودي الخاص في نمط وجود الغير. والغير في نظره لا يعني ذاتا بعينها، بل يمكن لأي كان أن يكون غيرا. فالأغيار في إطار الحياة المشتركة يوجدون على نمط وجود الذات، يفقدون تميزهم وتفردهم، تندمج الذوات في كل يمكن فيه لكل واحد أن يصبح آخرا وكأنه لا أحد. هذا ما يطلق عليه هايدجر الطابع الديكتاتوري للوجود مع الغير (on).

نستنتج أن الوجود مع الغير ، في الحياة اليومية المشتركة(Dasein) يفقد الذات إمكاناتها وتفردها، ويفقد الشخص "هويته" إذ يصبح كأي آخر وكأنه لا أحد.

        على خلاف ذلك يرى كل من هيجل وسارتر أن وعي الذات بذاتها وبأبعاد وجودها لن يتحقق إلا بوجود الغير. يعتبر هيجل أن الوعي بالمعنى الديكارتي وعي مباشر و بسيط لأنه مطابق لذاته ولا يوجد إلا لذاته، إنه وعي يقصي عنه كل ما هو آخر. إن الوعي بهذا المعنى ليس وعيا حقيقيا بالذات، فالأنا لا يثبت وجوده ولا يشكل وعيه بذاته إلا حين يسعى إلى التجريد أي إلى الاعتراف به من طرف الآخر، لأن الوعي بالذات لا ينمو إلا في علاقة جدلية بالغير. وتبدو صورته الأولى فيما أسماه هيجل بجدل العبد والسيد أو جدل الأنا والآخر. فهيجل يميز بين مرحلتين أساسيتين في الوعي: مرحلة وجود الأنا وجودا مباشرا مثل نمط وجود الأشياء، كأنا فردي مستقل عن الآخر ويكون ما هو آخر بالنسبة إليه موضوعا، أي شيء غير جوهري. ومرحلة وعي الذات المعترف به من طرف الآخر، ولا يتم هذا الوعي إلا حين يدخل في صراع مع الآخر، أي حين يحاول كل منهما أن يثبت ذاته لنفسه كما يثبتها للآخر بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت. إن الوعي الحقيقي في نظر هيجل، هو الوعي الذي تقوم ماهيته في الحياة وفي الوجود من أجل الآخر أحدهما سيد والآخر عبد.

        نستخلص إذن، أنه إذا كان هايدجر يعتبر أن الوجود مع الغير نفي لخصوصية الأنا وتهديد لتميز الذات، فإن الموقف الجدلي مع هيجل يعتبر أن وجود الغير ضروري لوجود الأنا وشرط لتحقيق وعيه بتميزه وبتفرده كوعي

المحور الثاني: معرفة الغير.

        هل يمكن للذات معرفة الغير؟ ألا تحول العلاقة المعرفية دون معرفة الغير كذات ؟ ألا تشيء الذات الغير حين تتعامل معه  كموضوع للمعرفة ؟

إن أساس الإشكال يكمن في كون قطبي العلاقة المعرفية، هما من جهة، ذات تقوم بفعل المعرفة ومن جهة ثانية ،ذات أخرى تكون موضوعا للمعرفة.في هذا الإطار يعتبر هوسرل في كتابه << تأملات ديكارتية>> أن بإمكان الذات أن تعرف ذاتا أخرى لكن شريطة تجاوز الثنائية الميتافيزيقية جسد نفس الظاهر الباطن. فبإمكان الأنا أن يعرف الغير كذات من خلال ما أسماه بالتوحد الحدسي. حيث يعيش الأنا تجارب الغير، ويصبح الأنا هو الغير والغير هو الأنا. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال ارتباط الأنا بالغير لا بوصفه أنا مستقل عنه.

        في مقابل هذا التصور يرى غاستون بيرجيه، أن ذلك مستحيل. لأن كل أنا هو تجربة معزولة ووحيدة تستعصي عن كل اختراق. إن الأنا رغم كونه يعيش مع الغير ورغم كونه غير وحيد فإنه يشعر بعزلة وجودية ومعرفية. فلا الغير قابل لأن يعرف من طرف الأنا ولا الأنا قابل لأن يعرف من طرف الغير. إن تجارب كل ذات غير قابلة لأن تعاش من طرف الغير ولا أن تنقل إلى الغير.

        من منظور مغاير يرى المفكر الفرنسي، ميرلوبونتي، أن بإمكان الأنا أن يعرف غيره لكن شريطة أن تتأسس العلاقة بينهما على تواصل حقيقي. بحيث يحاول الغير أن ينكشف أمام الأنا، ويحاول الأنا أن ينفتح على الغير ويكسب ثقته.

        ينتقد ماكس شيلر كل التصورات الفلسفية التي تحصر معرفة الغير في العلاقة: ذات / موضوع. فتلك التصورات تجعل من الغير مجرد موضوع أو شيء مادي، إنها في نظره نظريات مرفوضة لا تأخذ بعين الاعتبار الوضعية الفينومينولوجية. باعتبارها وضعية الالتحام الوثيق بين الأنا والغير وضعية التلاحم لا يدرك فيها الأنا الغير كموضوع بل كوحدة حية يتلاحم فيها الظاهر بالباطن، الجسد بالنفس، إنها وضعية ندرك فيها الغير ككل لا يقبل القسمة. وما يجعل هذا الإدراك ممكنا كذلك، التجربة الإنسانية المشتركة بين الأنا والغير، تجربة توحدها قيم ومعاني.

إن معرفة الغير إذن، هي علاقة إشكالية تحيل على ما تنطوي عليه العلاقة ما بين الذوات من غنى وتعقد. كما تتلون العلاقة المعرفية بطبيعة العلاقات الأخرى التي تربط الذات بغيرها من الذوات، كالعلاقة الوجدانية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية...

المحور الثالث: العلاقة مع الغير.

        إن العلاقة مع الغير لا يمكن إلا أن تصاغ في صيغة الجمع. ذلك أن الذوات ترتبط فيما بينها في علاقات متعددة ومختلفة: معرفية،اجتماعية، اقتصادية، سياسية،أخلاقية، وجدانية... وتعتبر الصداقة نموذجا من تلك العلاقات.

في هذا الإطار، يعتبر الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، أن الصداقة هي اتحاد بين شخصين، بينهما حب و احترام متبادلين. من هنا يتكلم كانط عن الصداقة كقيمة أخلاقية تكون غايتها تحقيق خير الصديقين. إن الصداقة في نظره واجب عقلي يشكل الخضوع لهذا الواجب طريقا نحو تحقيق السعادة لأن هذا هو ما يقتضيه العقل وما يفرضه الواجب الأخلاقي على كل صديق تجاه صديقه.  إن الصداقة تقتضي، وفق ما سبق، تحقيق نفس الاستعدادات العقلية لدى الصديقين . فيكون حماس أحدهما في محبة واحترام الآخر طريقا نحو تحقيق التوازن المطلوب للصداقة. افعل واجبك تجاه صديقك وعلى صديقك أن يفعل واجبه تجاهك. إذا كان هذا التصور مؤسس على مبادئ أخلاقية رفيعة، فإنه يحيل على استحالات في الواقع. فالصداقة لا تبنى دائما وأبدا على مبادئ أخلاقية بل قد تتأسس على المصلحة وعلى ما تفرضه المصلحة.

ومن منظور مغاير يرى الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت أنه إذا انتقلت المجتمعات الإنسانية إلى المرحلة الوضعية، حيث تجاوزت التفكير اللاهوتي والميتافيزيقي،فإن الأمر يقتضي تهذيب الغريزة الإنسانية بحيث يحيى الإنسان من أجل الغير فما يتمتع به الفرد من مواهب ومعارف وثروات هو من فضل الإنسانية عليه. لذا تنبني الأخلاق الوضعية على الغيرية. إنها تمنح الوسيلة الوحيدة لتطوير الوجود البشري. من خلال تجاوز غرائز الأنانية ، وتحفيز دوافع التعاطف الإنساني والتسامح والتعاون والتآزر.

لكن إذا كانت الأخلاق الوضعية تقوم على الغيرية وعلى أسبقية الجماعة على الفرد، ألا يؤدي ذلك إلى نسيان الخصوصية الذاتية و الهوية الشخصية، بل ونكران الاختلاف؟ ألا يؤدي ذلك إلى خلق ذوات متشابهة l’uniformisation؟ ألا ينبغي للأخلاق الواقعية أن تؤمن بالاختلاف والمغايرة ؟ 

خلاصة عامة: يتضح من خلال ما سبق، أن مفهوم الغير يرتبط بمفهوم الشخص والذات. فوجود الغير ضروري لوجود الأنا. ومعرفة الذات لذاتها يمر عبر معرفة غيرها. إن الوجود البشري يتشكل كعلاقات بين ذوات و أغيارها. يحمل الأنا الغير في ذاته ويوجد في ثنايا تجربته وفي جسده، لكنه يواجهه كذلك ماديا ورمزيا في العالم. إنه الشبيه و المختلف، القريب والبعيد، الصديق والغريب...

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact