Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

النظرية والتجربة

تقديم:

إذا تأملنا لفظتي النظرية والتجربة ، قد يتبادر إلى أذهاننا التوتر الحاصل بين مجالين يبدوان لأول وهلة وكأنهما متنافرين ومتباعدين. مجال الفكري العقلي والمجرد في مقابل مجال الواقعي المادي والملموس. وإذا ارتبطنا بالعلوم الطبيعية كمجال لإشكاليتنا، سوف يبدو أن الحوار بين النظرية والتجربة يخفي عنا أشكال التداخل الكبير بينهما. كما أن هذا الحوار سوف يجعلنا ننفتح على تاريخ العلوم و الخلاف بين الموقفين الاختباري والعقلاني . فهل هناك انفصالا ومفارقة بينهما في بناء المعرفة العلمية؟ ما دور كل من العقل والتجربة في بناء النظريات العلمية؟ ما هي معايير العلمية في العلوم الطبيعية؟ وهل تستمد النظريات العلمية مصداقيتها وصلاحيتها من الواقع أو العقل؟

المحور الأول: التجربة والتجريب

يجمع جل الفلاسفة والعلماء على القول بأن نظرية ما لا تصبح نظرية علمية إلا إذا أثبتتها التجربة، فالاتفاق مع التجربة كما يقول بيير دوهايم يشكل بالنسبة للنظرية المعيار الوحيد لحقيقتها. لكن ما المقصود بالتجربة في هذا القول؟ هل المقصود بها التجربة الخام المتمثلة في معطيات الواقع التي على العالم ملاحظتها بدقة والإصغاء إليها بأمانة وبدون أية أحكام مسبقة، أم أن المقصود بها هو التجربة المصطنعة التي تتم في ظروف ووفق خطوات محددة مسبقا بالنظرية نفسها المراد التأكد من صدقها؟ هل قيام العالم بالتجربة معناه أن يصغي للواقع الجاهز القائم بذاته في استقلال عنه، أم معناه أن يشيد ويبني واقع جديد اعتمادا على وسائله الخاصة ووفق خطوات يحددها هو بنفسه؟ بعبارة أخرى هل ما يثبت نظرية ما هو التجربة باعتبارها إنصات وإصغاء للواقع أم هو التجريب باعتباره مساءلة واستنطاق له؟ ما دلالة التمييز بين الاثنين؟

لم يعرف الفكر الفلسفي والعلمي القديم سوى شكل واحد من التجربة وهي التجربة الحسية الخام المتمثلة في مجموع معطيات العالم التي تصدم حواس الإنسان وتولد لديه انطباعات مختلفة. وقد انقسم هؤلاء الفلاسفة والعلماء بخصوص أهمية هذه التجربة في بناء المعرفة وفي فهم حقيقة العالم إلى فريقين متعارضين أحدهما مثله 'أفلاطون والآخر مثله 'أرسطو.

فبالنسبة لأفلاطون: ليس للتجربة الحسية أي دور أو أهمية في بناء معرفة حقيقية حول موجودات العالم، بل هي على العكس من ذلك تمثل عائقا على الفيلسوف-العالم التخلص منه إن هو أراد بلوغ الحقيقة واليقين. فالحواس كما يصورها أفلاطون في أسطورة الكهف(كتاب الجمهورية) هي بمثابة قيود وأغلال تحول دون إدراك المعقولات الثابتة، القائمة في عالم المثل . إن الوصول إلى معرفة عالم المثل، الذي هو وحده العالم الحقيقي، لا يتطلب في رأي أفلاطون وساطة الحواس بل يتطلب التحرر منها.

أما بالنسبة لأرسطو فتمثل التجربة الحسية نقطة انطلاق لا يمكن لأي معرفة حول العالم أن تتجاوزها، فحقيقة الموجودات المادية وإن كانت لا تكمن في المظاهر والأعراض التي ندركها بواسطة حواسنا، فهي لا توجد منفصلة عنها ومفارقة لها، وإنما كامنة خلفها ومحايثة لها. وتبعا لذلك فإن استقراء وملاحظة أعراض الموجودات يمثل في رأي أرسطو الخطوة الأولى والضرورية من أجل بناء أي معرفة حقيقية حول العالم وحول الموجودات التي يحتويها ويتألف منها. فقبل الانتقال إلى مرحلة التفسير أي مرحلة البحث عن العلل والأسباب المحددة لأية ظاهرة، يجب بالضرورة المرور بمرحلة الوصف. أي بمرحلة الملاحظة الدقيقة لعناصرها وأجزائها وللعلاقات القائمة فيما بينها، وهو ما طبقه أرسطو نفسه في كل أبحاثه الطبيعية. ففي بحثه حول الحركة مثلا نجد أرسطو لا ينتقل إلى البحث عن العلل المحركة إلا بعد أن يقدم وصفا حسيا دقيقا لظاهرة الحركة ولمختلف العناصر المؤلفة لها. فبعد هذا فقط ينتقل أرسطو للحديث عن العلل والأسباب المحركة، أي إلى تفسير ظاهرة الحركة بإرجاعها إلى علل وأسباب، وهو دليل على أن التجربة الحسية عند أرسطو هي نقطة انطلاق العلم الفيزيائي مادام موضوع هذا العلم ليس شيئا آخر غير الحركة نفسها، أو الموجود من حيث هو متحرك كما يقول أرسطو.

في مقابل هذا الشكل من التجربة، الذي هو التجربة الحسية الخام، سيعرف الفكر العلمي منذ مطلع القرن 17 شكل آخر من التجربة هو التجربة المبنية والمشيدة والموجهة بمقتضيات نظرية محددة سلفا، والتي وحدها ستصبح تسمى بالتجربة العلمية. فأمام الأخطاء الهائلة التي تم اكتشافها في العلم الأرسطي منذ تيكو براهي و غاليلي وغيرهم كان لزاما على العلماء إعادة النظر في طريقة اشتغالهم، والتوقف لحظة للتفكير في المنهج الواجب إتباعه في بحثهم عن الحقيقة. وهو ما أفضى إلى ظهور ما يعرف بالمنهج التجريبي القائم على الملاحظة الموجهة والتجربة المبنية. فالعالم بدءا من القرن 17 لم يعد يلاحظ أولا ويفكر ثانيا كما كان الأمر مع أرسطو وإنما العكس، أي يحدد لنفسه أولا مشكلة ما وفي ضوئها يتجه إلى الواقع لملاحظته، حيث لا يلاحظ أي شيء وكيفما اتفق، وإنما يلاحظ فقط ما يفيده في الجواب عن ذلك المشكل الذي بناه بفكره. فعلى سبيل المثال ظل علماء الفلك على مر الزمان يراقبون السماء ويلاحظون ما يجري فيها، لكن وحده 'تيكوبراهي' من لاحظ تكون نجم جديد في السماء وبأن بعض المذنبات تصعد حتى تقترب من الشمس ثم تعود لتقترب من الأرض ، وسبب ذلك ليس هو تطور الأدوات التي كان يستخدمها وإنما هو كون ملاحظته كانت موجهة بمشكلات محددة هي: هل عالم ما فوق القمر يطاله التحول والفساد أم انه كما اعتقد أرسطو ثابت لا تغير فيه؟ وهل هناك فعلا أفلاك حاملة للكواكب كما اعتقد أرسطو وبطليموس؟ فوجود مثل هذه التساؤلات في ذهن هذا العالم هو الذي جعله يدرك بملاحظته للسماء بأن المذنبات تخترق في مسارها السماوات، وبأن في عالم ما فوق القمر هناك نجوم جديدة تتكون وأخرى قديمة تختفي. وما ينطبق على هذا العالم ينطبق على أي عالم آخر، فبدون تساؤلات يحملها في ذهنه وبدون خطة مسبقة للملاحظة لا يمكن لأية ملاحظة أن تكون منتجة وعلمية. أما بالنسبة للتجربة التي لم تكن فيما مضى تتميز عن الملاحظة الحسية وعن الإنصات السلبي للواقع، فقد أصبحت منذ مطلع القرن 17 عبارة عن جملة من الإجراءات المختبرية المحددة مسبقا أدواتها وخطواتها، إنها عبارة عن عمليات مقصودة ينجزها العالم نفسه بناءا على المعطيات النظرية التي يريد فحصها واعتمادا على وسائل وتقنيات هي نفسها نتاج وحصيلة لنظريات معينة سابقة. وتبعا لهذا فالتجربة بمفهومها العلمي الحديث هي عبارة عن استنطاق ومسائلة للواقع وليست مجرد إنصات وملاحظة له. إنها إرغام للطبيعة على البوح بأسرارها وعلى الكشف عن ما تخفيه من قوانين علاقات وليست مجرد مراقبة وتتبع لما تفصح عنه من ظواهر ومعطيات. وهكذا لم يعد العالم، كما يقول كانط ، مجرد تلميذ يتعلم من الطبيعة وإنما قاضيا يرغمها على الإجابة عن أسئلة يحددها هو بنفسه، واعتمادا على طرق يختارها هو بنفسه أيضا. فطبيعة السطح، ودرجة ميلانه، وكذا حجم الكرات ووزنها، كل ذلك اختاره 'غاليلي' بنفسه حينما أراد معرفة القانون الذي يحكم السقوط الحر للأجسام، وذلك كما اختار 'ديكارت Descartes' بنفسه أيضا كرته الزجاجية وفانوس ضوئه لكي يعرف القانون الذي يحكم تكون قوس قزح، ونفس الأمر بالنسبة لباقي علماء القرن 17 وما بعده، فعندهم جميعا التجربة هي عبارة عن تجريب، أي عبارة عن اختبار وتحقق يتخيل العالم بذهنه شروطه ومراحله وأدواته قبل أن يلجأ إلى المختبر كي ينجزه، بل أن تطور العلوم في الفترة المعاصرة وإحلال الجينات محل الأعضاء، والجزئيات الذرية محل الأجسام الصلبة، جعل العلماء في كثير من الأحيان يكتفون بالتجربة الذهنية أو التجربة المتخيلة، على اعتبار أن مثل هذه المواضيع هي نفسها من صنع الفكر، أنها نتيجة تفكير وليست منطلقا له، وتبعا لذلك فلا طائل من وراء التجريب المختبري عليها، لأن ذلك فضلا عن كونه صعب أو مستحيل، فإن نتائجه محسومة سلفا ولن يكون إنجازه سوى تحصيل حاصل.

واضح من كل ما سبق انه إذا كانت التجربة هي عبارة عن معطى خام قائم بذاته في الواقع وسابق عن كل تفكير نظري، فإن التجريب هو عبارة عن فعل وإنجاز يقوم به العالم نفسه و بناء على معارف يمتلكها سلفا.

المحور الثاني: العقلانية العلمية

لاشك أن أحد أهم العوامل المسؤولة عن التطورات الهائلة التي عرفتها المجتمعات الغربية، والتقدم الهائل الذي حققته في مختلف المجالات، هو ظهور نمط جديد من العقلانية يعرف بالعقلانية العلمية، التي حلت محل العقلانية الدينية للقرون الوسطى فما هي خصائص ومميزات هذه العقلانية الجديدة؟ ما هي أسسها ومرتكزاتها؟

لقد ارتبط مفهوم العقلانية بديكارت، فهو يعتبر مؤسس ما يعرف بالاتجاه العقلاني اتجاه يتميز بإيمانه المطلق بالعقل، واعتباره المصدر الوحيد لكل معرفة علمية حقيقية. فأساس العلم، في نظره، حقائق يقينية قطعية، وهذا الشرط غير متوفر في شهادة الحواس، لأن هناك أكثر من مبرر يدعونا إلى الشك في ما تقدمه لنا . فمثلا قد سبق وأن خدعتنا، فبينت لنا مثلا أن الشمس هي التي تدور وليس الأرض بينما الحقيقة عكس ذلك، فمن يدري أنها تخدعنا في سائر الأمور الأخرى. انطلاقا من هذه المبررات وغيرها سيقرر ديكارت التخلي نهائيا وكليا عن شهادة الحواس. إن العقل في رأي ديكارت يكفي نفسه بنفسه، ولا يحتاج إلى أي شيء خارج عنه لكي يشتغل ولكي ينتج العلم، فهو مزود بشكل قبلي بمبادئ ومعارف كافية، إن أحسن استغلالها، للوصول إلى حقيقة كل شيء.

في مقابل هذه العقلانية العلمية التي تجعل من العقل المصدر الوحيد والأوحد لكل معرفة يقينية ممكنة، تبلور في أوروبا القرن الثامن عشر، وبصفة خاصة في إنجلترا، عقلانية علمية أخرى تجعل من التجربة المصدر الوحيد والأوحد لكل معرفة، ومن أبرز ممثليها: 'جون لوك '، 'دافيد هيوم.فعلى عكس ديكارت وأتباعه، اعتبر لوك وأتباعه أن العقل الإنساني هو بمثابة صفحة بيضاء، لا توجد فيه أية أفكار أو مفاهيم قبل احتكاكه بالتجربة. فأصل المعرفة وأداتها الوحيدة في رأي لوك هي الحواس ولا شيء يوجد في العقل قبل أن يوجد في الحس.

في خضم التناقض الحاصل بين هذين الموقفين، سواء على مستوى تصوريهما لطبيعة العقل، أو على مستوى النتائج المترتبة عن ذلك، ستظهر ما يعرف بالفلسفة النقدية مع 'إيمانويل كانط ، والتي ستعمل على الجمع والتوفيق بين هذين التصورين. فكيف استطاع هذا الفيلسوف الجمع بين عقلانية ديكارت وتجريبية لوك وهيوم؟

يتفق كانط مع لوك وهيوم في كون ليس هناك أية معرفة لا تبدأ من التجربة. فالتجربة في رأيه- كما في رأي لوك وهيوم- تشكل المعطى الأساسي والأولي الذي انطلاقا منه يشرع العقل الإنساني في ممارسة عمله. غير أن العقل نفسه لا يمكنه تلقي الانطباعات الحسية إلا إذا كان مهيأ مسبقا لذلك، أي مزود بشكل قبلي بأطر تمكنه من تنظيم المادة الخام التي تزوده بها الحواس، والتي تظل بدونها مجرد فوضى وشتات. وتتحدد هذه الأطر القبلية في رأي كانط في إطارين أساسيين هما المكان والزمان فضلا عن عدد من المقولات .

تتأسس العقلانية العلمية عند كانط إذن على عنصرين: يتمثل الأول منهما في الانطباعات التي تمدنا بها التجربة الحسية، بينما يتمثل الثاني في الأطر القبلية التي تتوفر عليها بشكل مسبق ملكة تلقي الانطباعات الحسية لدينا. ولا يمكن في رأي كانط إنتاج أي معرفة حول ظواهر العالم بالاعتماد على أحد هذين المصدرين دون الآخر،وهو ما عبر عنه كانط صراحة بقوله:"المفاهيم العقلية (الزمان،المكان،المقولات) بدون معطيات حسية جوفاء فارغة، والمعطيات الحسية بدون المفاهيم العقلية فوضوية وعمياء".

واضح من كل ما سبق أن العقلانية العلمية عند ديكارت هي عقلانية دوغمائية تثق ثقة مطلقة في قدرة العقل على بلوغ اليقين بخصوص أي موضوع ومهما كانت طبيعته، بينما عقلانية لوك وهيوم هي عقلانية شكية تنفي عن العقل قدرته على بلوغ أية حقائق نهائية وبخصوص أي موضوع، أما بالنسبة لكانط فقد أصبحت العقلانية العلمية معه عقلانية نقدية تؤمن بقدرة العقل على بلوغ حقائق يقينية لكن شريطة أن يكون الموضوع الذي يدرسه لا يتجاوز نطاق التجربة الحسية.

وفي مجال العلوم التجريبية، يعتبر شيخ الاختبارين نيوتن أن النظرية العلمية هي انعكاس للواقع في الفكر، وأن على العالم أن يخبر عن الواقع كما هو ويعود إلى الواقع للتأكد من صحة النظرية. فهو يقول:" لم أتوصل إلى نظرية الجاذبية عن طريق مخالفتها أو عدم اتفاقها مع النظريات الأخرى، بل استخلصتها من الخبرات استخلاصا وضعيا مباشرا. لذا فالكيفية الملائمة للتأكد منها هي ملاحظة ما إذا كانت التجارب التي اقترحها تؤكدها فعليا." من هنا يستبعد نيوتن أي دور للفكر وللفرضية في بناء النظرية العلمية.

وفي نفس السياق يعتبر كلود بيرنار أن على العالم أن ينصت للطبيعة وأن يكون أثناء ملاحظته للظواهر بمثابة آلة تصوير تنقل الواقع كما هو. أي أن الواقع والتجربة هما منطلق كل نظرية علمية. لكنه يضيف أنه بعد الملاحظة ومعاينة الواقع تبرز الفكرة ويتدخل العقل. ويقصد بالفكرة هذه، الفرضية التي يبنيها العالم بعد معاينة الواقع، والتي ينبغي أن تكون منطلق التحقق التجريبي ومصدرا للقانون. إن كلود بيرنار إذن لا ينفي دور العقل في بناء النظرية العلمية، وإن كان الواقع هو منطلق التجريب لبناء الفرضيات، ومنتهاه للتحقق من صلاحيتها.

و في كتابه '' فلسفة العلوم اليوم '' اعتبر روني طوم أن العلم لا يمكن أن يكون علما إلا إذا انفتح على الافتراضي والخيالي. انتقد التصور التقليدي حول التجريب. حيث اعتبر أن الفرضية العلمية كمنطلق للتجريب، قد لا تستمد من ملاحظة الواقع. فلا وجود لفرضية دون وجود شكل من أشكال النظرية. ذلك أن النظرية تتضمن أفكارا عن العلاقات التي تربط المتغيرات بالظواهر. ولا يمكن للتجريب وحده أن يكتشف أسباب ظاهرة ما. ينبغي إكمال الواقع بالخيال. والخيال هنا عملية ذهنية أو تجربة ذهنية لا يمكن لأي جهاز آلي أن يعوضها. ويستنتج روني طوم أن التجريب لا يكون علميا وذا مغزى إلا إذا ارتبط بالتفكير.

وفي إطار الابستملوجيا المعاصرة، ونتيجة للثورات العلمية المتعاقبة، ألم نعد أمام إشكاليات جديدة وحوار مغاير بين النظرية والتجربة؟ فما دور كل من العقل والتجربة في بناء النظرية العلمية؟ هل أحدثت العلوم المعاصرة قطيعة مع المنهج التجريبي؟ هل انتصرت العلوم المعاصرة للعقل وللعقلانية على حساب التجريبية والواقع؟

في كتابه" كيف أنظر إلى العالم " أعلن، الفيزيائي الكبير ألبير إنشتاين، أن منبع النظرية الفيزيائية ليس الواقع ولا التجربة بل إنه العقل الرياضي. إي أن أساس النظرية العلمية هو الاستنباط الرياضي المنطقي وليس الملاحظة التجريبية للوقائع . من هنا لا تكون النظرية هي ما يجب أن يطابق الواقع ويصفه بل على الوقائع أن تطابق القوانين والقضايا الناتجة عن النظرية. فهو يقول:" إنني على يقين أن البناء الرياضي الخالص، يمكننا من اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تسمح بفهم الظواهر( ... ) إن المبدأ الخلاق في العلم لا يوجد في التجربة، بل في العقل الرياضي ." ألا يعيد بهذا الطرح، الاعتبار للعقلانية الكلاسيكية؟

كجواب على هذه الاستفسارات، يرى الإبستملوجي الفرنسي غاستون باشلار،أن الثورة العلمية المعاصرة أدت إلى تأزيم العقل التقليدي وتفنيد التصورات التجريبية. فالمعرفة العلمية هي نتاج الحوار الجدلي بين العقل والتجربة: فليس الواقع هو المصدر الوحيد للمعرفة العلمية، كما أن العقل ليس مكتف بذاته كما تؤكد العقلانيات التقليدية. فهو يقول:" ... لا توجد عقلانية فارغة، كما لا توجد اختبارية عمياء. هذان هما الإلزامان الفلسفيان اللذان يؤسسان التركيب الدقيق والحثيث لكل من النظرية والتجربة في الفيزياء المعاصرة ." إن العقلانية المعاصرة تؤكد على جدلية العقل و ديناميته.إنه ليس عقلا منغلقا على ذاته وعلى مبادئه كما أنه ليس ثابتا وليس واحدا في كل مجالات انطباقه، بل إنه منفتح على موضوعاته وعلى الواقع يغير ذاته باستمرار ويعيد النظر في مبادئه لتوافق الوقائع الجديدة.يقول باشلار في نفس المرجع:"لقد أصبح المطلوب الآن، أن يتموضع العالم في مركز بحيث يكون فيه العقل العارف مشروطا بموضوع معرفته." ومن جهة أخرى إن الواقع العلمي في العلوم المعاصرة وفي منظور العقلانية المعاصرة لم يعد هو الأشياء الجاهزة والظواهر كما هي معطاة للملاحظة المباشرة، بل إنه بنيات وعلاقات رياضية. إن الواقع العلمي فقد صفته الشيئية والنظرية العلمية هي إنشاء لهذا الواقع وإعادة صياغته علميا.

نستنتج إذن أننا أمام إشكالية علمية جديدة غيرت نظرة العلم إلى الطبيعة فلم تعد هذه النظرة اختبارية تجريبية محضة.كما لم تعد العلمية تتلخص في الموضوعية والحياد وتصوير الواقع بل أصبحت للذات وللعقل المبادرة. و من جهة أخرى لقد أدت الثورات العلمية المتلاحقة إلى إعادة النظر في مفاهيم عديدة كمفهوم العقل والعقلانية، ومفهوم الواقع والتجربة، ومفهوم العلم والعلمية...

المحور الثالث: علمية النظريات العلمية.

ما معيار صلاحية وصدق النظرية العلمية، هل هو الواقع ومطابقة النظرية للتجربة؟

إذا كانت الاتجاهات الاختبارية التجريبية تعتبر أن الواقع والتجربة هما مصدر النظرية العلمية، فإنها تعتبر، نتيجة لذلك، أن الاحتكام إلى الواقع والرجوع إلى التجربة هما معيار علمية أية نظرية علمية. على خلاف هذا، يعتبر بيير تويليي في كتابه "اشتغال العلم ورهاناته" أن هذه التصورات اختزالية وتبسيطية. فالتحقق التجريبي لا يعطي دلائل قطعية على صلاحية النظرية العلمية.ذلك لأن كل تجربة علمية لا تتم إلا بمساعدة نظريات أخرى. ومن جهة ثانية لا توجد نظرية معزولة عن نظريات أخرى. إن التحقق التجريبي،إذن، لا يشكل إلا فحصا من بين فحوص أخرى. فما يضفي قوة على النظرية العلمية، تعدد الفروض والاختبارات التي تخرج النظرية العلمية من عزلتها وتربطها بنظريات أخرى.

أما كارل بوبر، فيرى أن معيار" القابلية للتكذيب" أو معيار " التفنيد" هو معيار صلاحية النظرية العلمية. ويعني قابلية كل نظرية علمية "للاختبار". فكل نظرية تبقى صالحة ما لم يتم الكشف عن فروض ووقائع جديدة تفندها. فكل نظرية تنفي إمكانية تفنيدها و اكتشاف العيب فيها هي نظرية خارجة عن مجال العلوم التجريبية. فالنظرية النسبية مثلا، تبرز أنها قابلة للتكذيب وأن عيبها ارتباطها بسرعة الضوء. وتبقى صالحة ما لم يتم اكتشاف مستوى آخر للسرعة. نستنتج وفق هذا التصور، أن صلاحية النظرية العلمية تكمن في قدرتها على تقديم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز نقط ضعفها.

  • من كل ما سبق، أن التساؤل عن صلاحية النظرية العلمية، وما يحيل عليه من تباين في الموقف، يحيل على تبين عن أي علم نتحدث وعن أي واقع علمي. فإذا ارتبطنا بالعلوم التجريبية في صيغتها الكلاسيكية وارتباطها بالواقع كمعطى ، يتضح أن الكلام عن معيار المطابقة التجريبي كمعيار لصلاحية النظرية العلمية، كلام منطقي. لكن حينما ننتقل إلى العلوم المعاصرة والواقع الميكروفيزيائي، يصبح الواقع العلمي بناء عقليا وعلاقات رياضية، فيفقد معه معيار المطابقة التجريبي صلاحيته ووجاهته.

خلاصة عامة:

إن تأمل تاريخ بناء النظريات العلمية في العلوم التجريبية، يبرز أن هناك تداخلا وتكاملا بين مفهومي النظرية والتجربة،رغم ما قد يشوب علاقتهما من توتر و صراع. إنهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية. فالتجربة ليست مجرد ملاحظة للواقع، ومن الخطأ الاعتقاد أن النظرية تأمل ذهني خالص. و لا وجود لنظرية علمية خالصة، ولا لتجربة علمية مستقلة عن العقل. فعمل العلم وتبلوره هو حوار وجدلية بين التجربة والنظرية، بين الواقع والعقل. لأن انغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، كما أن انغلاق العقل على ذاته هو عزلته ونهايته. وأخير يمكن القول أن حوار النظرية والتجربة في العلوم الحديثة، ساهم في إعادة النظر في مفاهيم إبستملوجية أساسية: العقل،الواقع، الذات،الموضوع، التجربة، الخطأ، اليقين، العلمية...

**************************

 

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact