Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

 

العلوم الإنسانية

تقديــــــــم:

بعد النجاحات التي حققها الإنسان في معرفته للطبيعة، حاول أن يجعل من ذاته موضوعا للدراسة العلمية. فكان ميلاد العلوم الإنسانية استجابة لهذا المطمح. لكن سرعان ما سيصبح هذا المطمح موضوعا للمسائلة النقدية وللفحص الإبستملوجي.

فهل يمكن للإنسان أن يصبح موضوع علميا؟ هل يمكن أن تدرس الظواهر الإنسانية كأشياء؟ ألا يحول تداخل الذات والموضوع دون تحقيق شرط العلمية؟ إذا كان التفسير أساس الدراسة العلمية للظواهر، فهل تكون الظواهر الإنسانية قابلة للتفسير وبالتالي للتنبؤ؟ أليست الظواهر الإنسانية ظواهر معقدة تفرض الفهم؟ وإجمالا ألا يمكن أن نشك في مشروعية العلوم الإنسانية؟ ألا نحكم على علمية العلوم الإنسانية من خلال تصورنا لنموذج العلمية في العلوم الحقة؟ ألا تستحيل التجربة الإنسانية عن كل دراسة علمية؟

المحور الأول: موضعة الظاهرة الإنسانية.

هل يمكن للإنسان أن يكون موضوعا للدراسة العلمية؟ لعل الأصل في هذا السؤال هو طرح مشكل الموضوعية في العلوم الإنسانية. فإذا كانت الموضوعية والحياد، أي فصل الذات عن الموضوع، هو شرط علمية العلوم الطبيعية، فهل يمكن أن يكون ذلك ممكنا حين يكون الإنسان هو موضوع الدراسة العلمية؟

تعتبر النزعة الوضعية أن هذا ليس ممكنا فقط بل إنه شرط لا محيد عنه لتحقيق علمية العلوم الإنسانية.فأقطاب هذه النزعة يعتبرون أن على العلوم الإنسانية أن تدرس الظواهر الإنسانية كأشياء Des Objets لها وجود موضوعي مستقلة عن الذات العارفة. فهي مثل الظواهر الطبيعية، قابلة للملاحظة والقياس. وتخضع لقوانين ثابتة يمكن الكشف عنها من خلال استعمال المنهج التجريبي . إن هذا الاتجاه الإبستملوجي يوازي بين الظواهر الطبيعية والظواهر الإنسانية. ويعتبر أن العلوم الفيزيائية هي نموذج كل معرفة تصبو أن تكون علما. و بالتالي يكون المنهج التجريبي، هو السبيل الأوحد لدراسة كل الظواهر دراسة علمية.

على خلاف ما سبق، يؤكد العديد من الإبستملوجيين على خصوصية الظاهرة الإنسانية وعدم قابليتها لتطبيق المنهج التجريبي ولا قياس موضوعيتها على نموذج العلمية كما بني في العلوم التجريبية. فعالم النفس السويسري جون بياجي يرى أن العلوم الإنسانية تعرف وضعية إبستملوجية تميزها عن غيرها من العلوم وتعترض طريق تحقيق الموضوعية. إنها التداخل بين الذات والموضوع.فالإنسان يكون ذاتا عارفة و موضوعا للمعرفة في نفس الوقت. بذلك يمكن للذات العارفة أن تتأثر وتتغير بحكم ما تدرسه وتلاحظه.كما يمكن لها أن تؤثر فيما تدرسه وتغير طبيعته. ومن جهة أخرى قد يحول الانخراط الوجداني للباحث في الظاهرة التي يدرسها دون تحقيق الموضوعية. فلا يمكن للباحث أن يكون معزولا ومحايدا كلية،لذا يبقى تأثيره كبيرا في دراسته للظواهر الإنسانية .

  • خلاف ذلك، يرى فرانسوا باستيان أن التداخل بين الذات والموضوع وانخراط الباحث في جماعته،عامل مساعدا على فهم الظواهر الاجتماعية .فالباحث الاجتماعي، في نظره، يحيا مفارقة تتمثل في كونه جزء من الجماعة التي يدرسها، وهو مطالب في نفس الوقت أن يتموضع خارج المجتمع وأن يظل بعيدا عما يرتبط به من قيم وتصورات.في حين لا يمكن له أن ينعزل ويبتعد عن العالم الاجتماعي، حتى ولو رغب في ذلك. وهذا لايحول دون تحقيق علمية العلوم الإنسانية فانخراط الباحث في جماعته والنفاذ إلى داخل التجربة الجماعية، ضروري لفهم نمط اشتغال هذه الجماعة.

إن مشكل الموضوعية مشكل ابستملوجي طبع تاريخ العلوم الإنسانية، وتراوحت المواقف حوله بين اتجاهات تؤمن بإمكانية تحقيقها إذا تم التقيد بالمنهج التجريبي كما أسسته الفيزياء على الخصوص. متجاهلة بذلك خصوصية الظواهر الإنسانية كظواهر واعية وحرة. وبين اتجاهات تنفي إمكانية تحقيق الموضوعية بدعوى تلك الخصوصية. لكن ألا ينبني هذا الطرح على التشبث بنموذج العلمية في العلوم التجريبية؟ ألا يمكن للعلوم الإنسانية أن تبني لنفسها نموذجها الخاص للعلمية؟ أليس هذا هو المسار الذي خطته لنفسها العلوم الإنسانية المعاصرة؟ ألم يعطينا التحليل النفسي درسا في هذا الاتجاه؟

المحور الثاني: التفسير والفهم.

لقد حققت العلوم الدقيقة تقدما كبيرا بفضل عمليتي، التفسير والفهم. ويعني التفسير تقديم الأسباب التي تحدد ميلاد الظواهر وتحولها. أما التنبؤ فيعني افتراض حدوث ظاهرة محددة بناء على قانون سببي. إذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن تبني العلوم الإنسانية علميتها على التفسير والتنبؤ؟

تعتبر الاتجاهات الوضعية أن القدرة على التفسير والتنبؤ، شرط لا محيد عنه لتحقيق علمية العلوم الإنسانية. فالظواهر الإنسانية كالظواهر الطبيعية، تخضع لقوانين ثابتة، هي ما تسعى العلوم الإنسانية لاكتشافه. على خلاف ذلك يعتبر الأنثربولوجي الفرنسي كلود ليفي شتراوس، أن شرط التفسير والتنبؤ قد لا يتحقق حتى في العلوم الدقيقة نفسها. فليس هناك ترابط ميكانيكي بين التفسير والتنبؤ. فهناك علوم تفسر ظواهرها دون أن تتنبأ بها كالداروينية. وهناك علوم تتنبأ بظواهر لا تكون قادرة على أن تتنبأ بها، كعلم الأرصاد الجوية. أما العلوم الإنسانية فإنها تقف في وسط الطريق بين التفسير والتنبؤ. فهي لا تفسر الظواهر تفسيرا نهائيا، و لا تتنبأ بيقين تام، لكن هذا لا ينفي أهميتها من الناحية النظرية والعملية.

في كتابه " عالم الروح " يرى دلتاي أن إرساء علمية العلوم الإنسانية، لا يمكن أن يقوم على تقليد العلوم الدقيقة. إن الأمر يقتضي مراعاة خصوصية الظاهرة الإنسانية. فإذا كانت الظواهر الطبيعية قابلة للتجزيء خارجية ثابتة ومتجانسة، فإن الظواهر الإنسانية كلية حية و فريدة. لذا، إذا كانت الظواهر الطبيعية قابلة للتفسير فإن الظواهر الإنسانية تفهم.

إذا كانت الاتجاهات الوضعية ترى في العلوم التجريبية نموذجا، وكان شتراوس يريد الاستفادة مما حققته العلوم المعاصرة من انفتاح، فإن الاتجاهات الفينومينولوجية ترفض هذه النماذج. يتبين من خلال ما سبق،إذن، أن المفارقة بين الفهم والتفسير تحيل على رهان نموذجية العلوم الدقيقة بالنسبة للعلوم الإنسانية. فهل يمكن أن تكون العلوم التجريبية نموذجا يحقق علمية العلوم الإنسانية؟

 

 

المحور الثالث: نموذجية العلوم التجريبية.

يمكن النظر إلى إشكالية نموذجية العلوم التجريبية من مناحي مختلفة، لكن يمكن إجمال القول في الكلام عن المنهج. لقد سبقت الإشارة إلى أن اعتماد العلوم التجريبية على المنهج التجريبي قد ساعدها على تحقيق الموضوعية. ويعد هذا الشرط بعيد المنال حين يتعلق الأمر بالعلوم الإنسانية. لأن هذه الأخيرة تعيش وضعية إبستملوجية خاصة، تتمثل في تداخل الذات والموضوع. في هذا الإطار يرى كل من ورنيي و لابورت، أن وضعية التداخل هذه لم تعد خاصة بالعلوم الإنسانية. فالعلوم التجريبية المعاصرة تعيش وضعية مماثلة .وفي حالة العلوم الإنسانية يمكن لهذا التداخل أن يدفع إلى تكييف المنهج التجريبي مع طبيعة الظاهرة الإنسانية. ذلك لأن الظاهرة الإنسانية أكثر غنى من الظواهر الطبيعية. ويكون لزاما على العقل أن يكون أكثر حذرا في التعامل معها. و تبعا لذلك، يجب أن تكون الروح العلمية أكثر تطورا منها في العلوم الطبيعية. وأخيرا، يعتبر ورنيي و لابورت، أن تداخل الذات والموضوع سوف يغني مقاربة الباحث، في العلوم الإنسانية، لموضوعه والتفاعل معه.

  • خلاف هذا، يرى ميرلوبونتي، أن الدراسة العلمية الوضعية للإنسان تحول دون معرفة الإنسان حق معرفته. وتحول دون معرفة تجربة الذات في العالم. لأن المعرفة العلمية تعمل على تجزيء الإنسان وبالتالي على نسيان تجربة الذات. إذ لا يمكن لأية معرفة علمية النفاذ إلى عمق التجربة والوجود الإنسانيين. يخلص بونتي و الفينومينولوجيين عموما إلى اعتبار أن موضعة الظاهرة الإنسانية نسيان للمعيش.

خلاصة: يتضح من خلال كل ما سبق، أن للعلوم الإنسانية وضع ابستملوجي خاص. يمكن إرجاعها إلى ما للظواهر الإنسانية من خصوصية وتميز. ويسمح النقاش الإبستملوجي حول علمية العلوم الإنسانية بالاضطلاع على طبيعة هذه الخصوصية. ومن جهة أخرى يمكن لهذا النقاش الإبستملوجي أن يسمح لنا بإعادة التفكير في العلوم الحقة كنموذج حاولت العلوم الإنسانية أن تبني علميته من خلال إتباعه. ويمكن أخيرا تبين ما للذات العارفة من أهمية في بناء المعرفة وتأسيس النظريات.

 

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact