Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

تقديم 

تعتبر الدولة تنظيما سياسيا يكفل حماية القانون وتأمين النظام لجماعة من الناس تعيش على أرض معينة بصفة دائمة، وتجمع بين أفرادها روابط تاريخية وجغرافية وثقافية مشتركة. ولذلك لا يمكن الحديث عن الدولة في مجال ترابي معين إلا إذا كانت السلطة فيها مؤسساتية وقانونية، مستمرة ودائمة لا تحتمل الفراغ.

كما يقترن اسم الدولة بمجموع الأجهزة المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع. هكذا تمارس الدولة سلطتها بالاستناد إلى مجموعة من القوانين والتشريعات السياسية التي تروم تحقيق الأمن والحرية والتعايش السلمي.

ما أصل الدولة ؟ وما الغاية من وجودها ؟ إن كل دولة لكي تدبر الشأن العام، وتحقق الغايات التي من أجلها وجدت، تحتاج إلى جملة من الأجهزة وعدد من السلط. فما طبيعة السلطة السياسية ؟ هل هي ذات طبيعة عقلية أخلاقية، أم أنها ممارسة تقنية تحكمها المصلحة وموازين القوى؟ هل تنحصر سلطة الدولة في الأجهزة والهيئات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وفي المؤسسات مثل المحكمة والسجن، أم أنها تتعدى كل ذلك لتحضر حتى في الأسرة والصحافة والجمعيات وفي كل القوى الفاعلة الأخرى داخل الجماعة؟ كيف تمارس الدولة فعلها داخل المجتمع، هل من خلال القوة أم من خلال القانون؟ من خلال العنف و الإكراه أم من خلال الحق والعدالة؟

المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها

لقد شكلت الدولة مع اليونان موضوعا خصبا للتأمل الفلسفي، فقد عالجها أفلاطون في كتب عدة، منها الجمهورية، والقوانين، وخصص لها أرسطو مادة دسمة في كتابه "في السياسة"، فكيف نظر هذان الفيلسوفان إذن إلى الدولة؟ ما غاياتها وما أساس وجودها ؟

لقد آمن كل من أفلاطون وأرسطو بفكرة وجود لا مساواة طبيعية بين الناس، أي أن هؤلاء يوجد بينهم بالفطرة والطبيعة تفاوت وتمايز سواء من حيث القدرات الجسمية أو من حيث القدرات العقلية، وهذه الفكرة هي ما يشكل الأساس الفلسفي لتصور كل من أفلاطون وأرسطو للدولة ففي نظر أفلاطون، كما تنقسم النفس إلى قوى ثلاث: شهوانية ، غضبية وعاقلة، ينقسم أفراد النوع الإنساني إلى فئات ثلاث: حرفيون وعبيد، جنود وحكام. وكما أن الوظيفة الطبيعية للنفس العاقلة هي توجيه عمل النفس الشهوانية والنفس الغضبية بالشكل الذي يضمن الانسجام والتناغم في حياة الفرد، فإن وظيفة الحكام هي تدبير شؤون الحرفيين والعبيد والجنود، وتوجيه عملهم نحو تحقيق الانسجام والتناغم في حياة الجماعة. فالعدالة، كما يقول أفلاطون في كتاب الجمهورية، هي "أن يؤدي كل فرد وظيفة واحدة في المجتمع هي تلك التي وهبته الطبيعة خير قدرة على أدائها ". غاية الدولة إذن بالنسبة لأفلاطون هي تحقيق الكمال والانسجام والتناغم بين مكونات المجتمع، وهو تناغم لا يتحقق إلا "بانصراف كل فئة إلى أداء المهمة التي هيأتهم الطبيعة للقيام بها دون التدخل في مهام الفئات الأخرى"، فمن هيأته الطبيعة أن يكون حرفيا، وزودته بما يلزم ذلك من مهارات وقدرات، فلا مفر له من أن يكون كذلك وينجز ما يلزمه من المهن والصنائع، ومن هيأته أن يكون محاربا فعليه أن يحمل السلاح ويقف بشجاعة ضد كل خطر يمكن أن يهدد الجماعة، ومن هيأته أن يكون حاكما فعليه أن يتجه لتدبير شؤون الناس بفضيلة وحكمة وعدل. رغم أن أرسطو قد قدم نقدا لأفلاطون في العديد من القضايا إلا أنه ظل وفيا لمنطلقات أستاذه ولكثير من النتائج التي تؤدي إليها. فأرسطو آمن هو الآخر بوجود تراتب طبيعي بين أفراد النوع الإنساني، بل آمن أكثر من ذلك بان هذا التراتب مقصود من قبل الطبيعة نفسها والتي "لا تفعل باطلا أبدا". فكون الناس مختلفين ومتمايزين على مستوى المهارات والقدرات يجعلهم بالطبيعة في حاجة إلى بعضهم البعض، وبالضرورة ميالين إلى الألفة والاجتماع، لأن لا احد منهم يستطيع أن يوفر بنفسه كل ما يحتاج إليه، "ولا يمكن أن يقدر على ذلك إلا وحش أو إله" وليس أبدا فردا من البشر . بهذا المعنى كان الإنسان" كائنا مدنيا بطبعه" في نظر أرسطو، أي كائنا لا يستقيم وجوده إلا في مجتمع يتقاسم أفراده المهام والوظائف، وبهذا المعنى أيضا كانت الدولة "من الأمور الطبيعية"، أي من الأمور التي يقتضيها تحقيق الحاجات الطبيعية للإنسان والتي بدونها لا يمكن أبدا أن تتحقق. إن غاية الدولة عند أرسطو هي تحقيق الخير الأسمى، "فكل ائتلاف بشري - يقول أرسطو- هو من أجل تحقيق خير ما، وبما أن الدولة هي أسمى ائتلاف، فهي ترمي إذن إلى تحقيق أسمى الخيرات "، وهذا الخير ليس شيئا آخر سوى ضمان سعادة كل الأفراد عبر تحقيق كل احتياجاتهم الطبيعية من غذاء وسكن وأمن . .الخ

نتيجة للتحولات الهائلة التي عرفتها المجتمعات الأوربية على جميع الأصعدة، و التي أفضت إلى الأنوار، تم البحث عن تبرير جديد لمشروعية الدولة وما يقتضيه ذلك من تحديد دقيق لغاياتها ووظائفها. فكيف نظر فلاسفة العصر الحديث إلى الدولة وإلى غاياتها و مشروعيتها؟

يمكن التمييز لدى الفلاسفة اللاحقين على القرن 17 بين ثلاث تصورات أساسية للدولة، الأول نجده عند ما يعرف بأصحاب "نظرية العقد الاجتماعي "، والثاني نجده عند "هيجل"، أما الثالث فنجده عند "ماركس".

فبالنسبة لمن يعرف بأصحاب نظرية "العقد الاجتماعي" وأبرزهم جون جاك روسو، توماس هوبز، جون لوك، وباروخ سبينوزا، لم يهتد الإنسان إلى الانتظام في دول ووفق قوانين تسهر على تطبيقها واحترامها سلط وأجهزة، إلا بعد رحلة تاريخية طويلة جرب فيها العيش وفق الحقوق الطبيعية، في مرحلة تعرف لديهم بحالة الطبيعة حيث كان يختلف هوبز وسبينوزا عن روسو ولوك بخصوص تصورهم لهذه المرحلة.فبالنسبة لهوبز وسبينوزا كانت حالة الطبيعة هي حالة عنف وجور،و سيادة الخوف والحرب، خوف الكل من الكل، وحرب الكل ضد الكل كما يردد هوبز،وهو المعنى نفسه الذي سيعبر عنه سبينوزا بقوله "الشقاء العظيم". أما بالنسبة لروسو ولوك، فحياة الناس في حالة الطبيعة كانت على عكس ذلك تماما، لقد كانت حياة سعيدة مليئة بالعدل والمساواة، لسبب بسيط ، هو أنه لم يكن بعد قد وجد ما يخلق التفاوت فيما بين الناس، ولا ما يمكنهم أن يتصارعوا من أجله. وسواء كانت حالة الطبيعة عنف وجور(هوبزو سبينوزا)، أو كانت سعادة ومساواة (روسو ولوك)، فإن النتيجة التي ينتهي إليها كل الفلاسفة السابقين واحدة، وهي أن أصل الدولة هو العقد الاجتماعي، أي اتفاق وتعاقد أبرمه الأفراد فيما بينهم في مرحلة معينة من تاريخهم، إما من اجل إنهاء حالة العنف والفوضى التي كانوا يعيشونها كما اعتقد هوبز وسبينوزا، وإما من أجل تجنب حدوث ذلك في المستقبل كما اعتقد لوك وروسو. ومن هنا فإن غاية الدولة بالنسبة لهم جميعا هي ضمان استمتاع الأفراد بحقوقهم الطبيعية دون خوف أو عنف، أي دوام استمتاعهم بحريتهم وأمنهم. فالغاية القصوى من تأسيس الدولة – حسب سبينوزا- ليست السيادة أو إرهاب الناس، بل هي ضمان أمن الأفراد و تحرير عقولهم و أبدانهم من الخوف وكل ما يعيق التعبير و الإبداع.الدولة بالنسبة لأصحاب العقد الاجتماعي إذن هي مكسب حضاري حققه الإنسان في لحظة ما من تاريخه، أساسها اتفاق وتعاقد فيما بينهم، وغايتها ضمان أمنهم وحريتهم.

يتفق هيجل مع أصحاب نظرية "العقد الاجتماعي" بأن الدولة مكسب حضاري لم يهتد الإنسان إلى العيش في كنفه إلا بعد أشواط طويلة من تاريخه، لكنه يرفض رفضا باتا أن يكون الأصل في وجودها وتحققها اتفاق وتعاقد تم بين الأفراد، أو أن تكون غاياتها النهائية هي ضمان أمنهم وحريتهم. إن وجود الدولة في رأي هيجل وتحققها في الواقع الإنساني هو ضرورة أملتها "الصيرورة التاريخية"، التي ليست شيئا آخر غير التحقق التدريجي "للروح المطلق".هذه التي تتحقق جزءيا في مختلف المجالات، في الطبيعة والعقل والأسرة والدين والفن والفلسفة... فما دولة بسمارك إلا تحقق للروح الألمانية في مجال السياسة. بهذا تجسد الدولة الوجود العقلي الحقيقي للأفراد، فلن تكون للفرد موضوعية، ولا فردية أصيلة، ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضوا في دولة. وبالنتيجة فإن مصير الفرد المحتوم هو أن يحيا في دولة. وإذا كان هيجل يرى أن ما هو واقعي فهو عقلي وما هو عقلي فهو واقعي، فإن وجود الفرد لايكون حقيقيا أي واقعيا وعقليا إلا في إطار الدولة.

لا يختلف ماركس مع روسو في قوله أن الملكية هي الأصل في ظهور الدولة، وبأن قبل ظهورها كانت هناك مشاعية بدائية تميزت حياة الناس فيها بأسمى درجات العدل والسعادة والمساواة، لكنه يختلف معه في الغاية التي من أجلها كان ذلك الظهور. فهذه الغاية تتمثل عند روسو في ضمان الأمن والحرية لكل الأفراد، بينما تتمثل عند ماركس في ضمان هيمنة الطبقة المسيطرة، المالكة لوسائل الإنتاج على الطبقة الأخرى، أي تلك التي لا تمتلك ذلك. إن الدولة في رأي ماركس هي أداة "للهيمنة الطبقية" ولتكريس "استعباد الأفراد لبعضهم البعض عبر جعله استعبادا مشروعا، له قوانينه التي تسنه، وأجهزته التي تحميه، وإيديولوجيته التي تبرره. ومادام أساس هذا الاستعباد ماديا اقتصاديا، فإنه لا يمكن زواله إلا بالعنف الثوري الذي يبني المجتمع الاشتراكي ثم الشيوعي .

وسواء كانت الدولة غاية أو وسيلة، أداة لضمان الأمن والاستقرار أو أداة لتكريس الهيمنة والاستعباد، جزء من الطبيعة البشرية أو مكسب حضاري، فإنها في جميع تلك الحالات تحتاج إلى سلط تؤدي من خلالها وظيفتها وتحقق عبرها غاياتها، فأين تتجلى تلك السلط؟ كيف يمكن تحديد طبيعتها وكيفية اشتغالها؟

 

المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية

حينما يتم التساؤل عن طبيعة السلطة السياسية‘ فإن الأمر يتطلب بالضرورة الحديث عن علاقة الدولة بالمواطنين، أو علاقة الحاكم بالمحكومين. فإذن ما هي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين رجل السياسة من جهة، ومن يمارس عليهم سلطته السياسية من جهة أخرى؟ وبتعبير آخر؛ ما هي الخصائص التي تميز الممارسة السياسية ؟ هل تقوم على مبادئ العقل و الأخلاق أم أنها ممارسة تقنية تخضع لمنطق المصلحة؟

إن السياسة ، في نظر ماكيافيل، صراع وقوة وخداع.لهذا يرى أن هناك أمراء في عصره أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم.هكذا دعا ماكيافيل إلى ضرورة استخدام الأمير لطريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية؛ الأولى تعتمد القوانين، بحيث يستعملها بحكمة ومكر ودهاء، وبشكل يمكن من تحقيق مصلحة الدولة، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، ولكن في الوقت المناسب. من هنا يجب على الأمير أن يكون أسدا قويا لكي يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لكي لا يقع في الفخاخ.إن الغاية عند ماكيافيل تبرر الوسيلة. وما دام أن الناس ليسوا أخيارا في الواقع، فلا يلزم أن ينضبط الأمير للمبادئ الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة.

ومن منطلقات مغايرة، يرى ابن خلدون أن السياسة رفق واعتدال.فعلاقة السلطان بالرعية هي علاقة ملك بمملوكين. ولذلك يجب أن يتأسس هذا الملك على الجودة والصلاح. من هنا يجب أن يحقق السلطان لرعيته كل ما هو صالح لهم، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يلحق بهم السوء والضرر.ولذلك وجب أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق والاعتدال في التعامل. فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.انطلاقا من هذا حدد ابن خلدون خصلتين رئيسيتين يجب أن يتصف بهما رجل السياسة، وهما الرفق والاعتدال. ولذلك عليه مثلا أن يتصف بالكرم والشجاعة كصفتين يتوفر فيهما الاعتدال المطلوب بين التبذير والبخل من جهة، وبين التهور والجبن من جهة أخرى. هكذا إذا كان ماكيافيل يحدد طبيعة السلطة السياسية في القوة والمكر والصراع، واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصلحة الدولة، فإن ابن خلدون يحدد طبيعتها في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال.

إذا كان كل من ماكيافيل و ابن خلدون يتناولان طبيعة السلطة السياسية في علاقتها بشخص الحاكم، فإن فلاسفة العقد الاجتماعي، يربطونها بالدولة و أجهزتها. يميز مونتيسيكيو في كتابه 'روح القوانين' في السلطة السياسية بين ثلاث أساسية: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. والشرط الضروري الذي يجب أن يتوفر في هذه السلط كي تؤدي وظيفتها وتحقق الغايات التي من أجلها وجدت، والتي تتمثل في "جعل أي مواطن لا يخاف من مواطن آخر" فينعم جميعهم بالحرية والأمن، فهذا الشرط هو أن تكون هذه السلط منفصلة وليست كلها في يد جهة أو هيئة واحدة. وهذا ما يصطلح عليه بفصل السلط. يضيف أصحاب نظرية العقد الاجتماعي شرطا آخر ينبغي أن يتوفر في السلطة السياسية كي تحقق غايات الدولة من حرية وأمن ..الخ، وهو أن تكون هذه السلطة نابعة من إرادة الأفراد أنفسهم. فلما كان هؤلاء كما يقول جون لوك "أحرارا ومتساوين بالطبع، استحال تحويل أي منهم عن هذا الوضع وإكراهه على الخضوع لسلطة إنسان آخر دون موافقته التي يعرب عنها مع أقرانه على تأليف جماعة واحدة و الانضمام إليها"، وتبعا لهذا فإن الخضوع لسلطة الدولة ليس شيئا آخر غير الخضوع لسلطة الأفراد أنفسهم ولما تقرره إرادتهم أو على الأقل إرادة الأغلبية أو الأكثرية منهم. فالسلطة السياسية يجب دوما أن تعمل كهيأة واحدة، وأن تتحرك في اتجاه واحد، وهذا الاتجاه لن يكون سوى واحد من أمرين: إما أن يكون هو ما تقرره إرادة كل الأفراد المكونين للدولة (الإجماع)، وإما أن يكون هو ما تقرره إرادة الغالبية منهم، "فقرار الأغلبية يعتبر بمثابة قرار المجموع" كما يقول جون لوك ويردد ذلك روسو من بعده أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة وموضع. تتجسد السلطة السياسية، عندالفلاسفة السالفي الذكر في أجهزة ومؤسسات الدولة: فالسلطة التشريعية تتجسد في مؤسسة البرلمان، أما السلطة القضائية فتتجسد في المحاكم ، وأخيرا تتجسد السلطة التنفيذية في مختلف المؤسسات العقابية وفي مختلف الأجهزة التي تحتكر امتلاك السلاح والحق في استخدامه من شرطة ودرك وجيش...

انسجاما مع التصور الماركسي للدولة، باعتبارها أداة للهيمنة الطبقية، يضيف الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير،بعدا آخر للسلطة السياسية للدولة وهو البعد الأيديولوجي. فهناك ما يسميه ألتوسير "بالأجهزة الإيديولوجية" للدولة، كالمدرسة والنقابة والحزب والإعلام والأسرة ومختلف الأجهزة الدينية والثقافية وغيرها من الأجهزة التي من خلالها تبرر الدولة ممارساتها وتمرر عبرها غاياتها، والتي هي في نهاية التحليل ليست سوى ممارسات وغايات الطبقة المسيطرة. وتتميز هذه الأجهزة حسب ألتوسير عن سابقاتها، وخصوصا عن تلك التي تسمى في الأدبيات الماركسية "بالجهاز القمعي للدولة" (الشرطة، الدرك، الجيش)، في أمرين اثنين: أولهما أن الجهاز القمعي موحد في قيادته وتوجهاته بينما الأجهزة الإيديولوجية كثيرة ومتعددة سواء في قياداتها أو في توجهاتها. ثانيهما أن الجهاز القمعي ينتمي كله إلى المجال العمومي بينما الأجهزة الإيديولوجية فهي " على عكس ذلك تنتمي إلى المجال الخاص، الكنائس خاصة، وكذا الأحزاب، والنقابات، والعائلات، وبعض المدارس، ومعظم الصحف . . . الخ".

ليس للسلطة السياسية إذن طبيعة واحدة، ولا طريقة موحدة في الاشتغال، فهي قد تتخذ طبيعة مادية ظاهرة وفي المقابل قد تتخذ طبيعة معنوية خفية فقد تشتغل عن طريق الخداع والقمع والعنف، وقد تشتغل عن طريق الإقناع والتبرير.

 

المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف

عادة ما ننظر إلى الدولة التي تستند إلى القانون في ممارسة سلطتها على المواطنين على أنها تمثل "دولة الحق"، و نعتبر- في المقابل - كل دولة تلجأ إلى القوة وتمارس العنف بمثابة دولة استبدادية ..غير أن الواقع و التاريخ، يكشفان عن تداخل معقد بين الحق والعنف في تشكيل ماهية الدولة بصورة تبعث على التفكير في ما إذا كان العنف لصيقا بالدولة، وفي مدى ارتباطه أو انفصاله عن الحق..

. فهل يحق للدولة استخدام العنف؟ أليس العنف نفيا للحق؟ أم أن عنف الدولة هو بالمقابل عنف مشروع وقانوني؟

إذا كان 'ماكيافيل' من كبار الفلاسفة الذين دافعوا عن مشروعية استخدام الدولة للعنف والقوة، بل ولما هو أسوء منهما، المكر والخديعة.فإن الماركسية بكل مدارسها وتوجهاتها تعتبر العنف والقمع هما الركيزة الأساسية التي تقوم عليها كل دولة. فهذه الأخيرة بقدر ما هي وليدة الصراع بقدر ما هي التجسيد المادي والواقعي للصراع و العنف. وإذا ما انتفى العنف فإن الدولة نفسها ستنتفي معه، وستصبح كما يقول إنجلز "في متحف الأثريات بجانب العجلة والفأس البرونزي". إنه نفس التصور الذي نجده عند ماكس فيبر. فهو الآخر يؤكد أن علاقة الدولة بالعنف هي علاقة حميمية جدا. موضحا بأن كل دولة تنبني بالضرورة على القوة، وبأن العنف هو الوسيلة الوحيدة للدولة، أي أن الدولة وحدها من يمتلك الحق في استخدام العنف وفي التفويض بممارسته" إنها كما يقول فيبر"المصدر الوحيد للحق في العنف" الذي يتميز بناء على ذلك بكونه "عنف مشروع" أي أنه عنف قانوني و مؤسسي ( عنف مشروع ويؤسس للحق ).

غير أن القول بأن العنف والقوة أدوات أساسية في ممارسة الدولة للسلطة، لا يعني اختزال هذه الأخيرة فيهما. "فان نمنح الدولة امتياز العنف المشروع – يقول بول ريكور – لا يعني تعريفها انطلاقا من العنف، وإنما انطلاقا من السلطة" والسلطة لا تنحصر في ممارسة القوة والعنف فقط وإنما تتعدى ذلك إلى التربية والإعلام والأحزاب والنقابات ...الخ، وتبعا لهذا فإن العنف والقوة لن يكونا ممارسة فعالة من قبل الدولة ما لم تكن هذه الأخيرة تمتلك إيديولوجيا معينة تقنع بها مواطنيها، وتربي عليها أجيالها المتلاحقة. "فكل دولة، يقول عبد الله العروي، لا تملك أدلوجة تضمن درجة مناسبة من ولاء وإجماع مواطنيها لا محالة مهزومة". فالعنف أداة ووسيلة وليس أبدا غاية وهدف، ولا يمكنهما أن يؤديا إلا إلى الفوضى والخراب ما لم يكن هناك مشروع مجتمعي واضح المعالم تعمل الدولة على الإقناع به والتربية عليه أولا ، ولا تلجأ إلى معاقبة من برفضه ويعيق تنفيذه إلا بعد ذلك. بهذا لايكون العنف مناف للحق بل وسيلة الدولة لإقراره وتحقيقه. على خلاف دولة الاستبداد حيث يكون العنف وسيلة للتسلط ونفي الحق.

لكن ألا تتعارض ممارسة العنف مع المواصفات التي يجب أن تتوفر في دولة الحق؟ تتمسك دولة الحق ،في نظر جاكلين روس ،بكرامة الفرد ضد كل أنواع العنف والتخويف. فدولة الحق هي ممارسة معقلنة لسلطة الدولة، يخضع فيها الحق والقانون إلى مبدإ احترام الشخص البشري وضمان كرامته الإنسانية. هكذا فالفرد في دولة الحق هو قيمة عليا ومعيار أسمى لصياغة القوانين والتشريعات التي تمنع كل أنواع الاستعباد والاضطهاد التي قد يتعرض لها.وما يمكن ملاحظته هنا هو أن الغاية هنا هي الفرد وليس الدولة؛ فهذه الأخيرة هي مجرد وسيلة لخدمة الفرد، إذ تعتبره الغاية الأساسية من كل تشريع.

************************************************

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact