Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

تقديـــــــــــــــــم:

السعادة قيمة أخلاقية وغاية كل إنسان.ويمكن القول إن كل الناس يبحثون عن السعادة ويعملون على درء التعاسة، ومع ذلك يختلف الجميع في تحديد مضمونها ومظاهرها، هكذا ترتبط فكرة السعادة في أذهان الناس بالمتعة، أو اللذة أو بالثروة أو بغير ذلك من الأسباب التي يتمثلها كل شخص( إذ يحددها البعض بالصحة في حالة المرض، وبالغنى في حالة الفقر. وقد يذهب البعض الآخر إلى اعتبارها قدرا، أو ضربا من الحظ، أو حالة لا توجد إلا في مرحلة بعدية).

فهل للسعادة مدلول واحد أم تتباين معايير تمثلها؟ هل هي فضيلة أم لذة عقلية؟ وبأي شكل تكون السعادة ممكنة وما سبيل تحققها وبلوغها؟ وكيف يمكن التوفيق بين سعادتنا الشخصية وواجباتنا تجاه الآخرين؟

المحور الأول: تمثلات السعادة.

هل السعادة طموح فردي مادي وحسي أم أنها قيمة أخلاقية ولذة عقلية؟

يربط الفيلسوف الإغريقي أرسطو في تمثله للسعادة بين الأخلاق والسياسة، باعتبار أن السياسة هي المجال الأوسع للممارسة الأخلاقية.لهذا السبب أكد أرسطو على أهمية السعادة باعتبارها الخير الأسمى والغاية القصوى للكمال الإنساني، وهو كمال يتحقق بفضل التأمل العقلي. وهكذا صاغ أرسطو مفهوم السعادة في سياق أخلاقي ـ سياسي وفي علاقته بمفاهيم الفضيلة والنفس والتأمل العقلي، واضعا إياه خارج مجال التمثلات الشائعة التي تعتبره معطى في التجربة الحسية ومتحققا فيها، كالحياة الطيبة والفعل الحسن، واللذة والثروة والأوسمة، وكل ما يستحق التقدير.

إننا لا نرغب في الوصول إلى تلك الأمور ـ يقول أرسطوـ في حد ذاتها، بل إننا نرغب فيها من أجل السعادة، هذا يعني أن السعادة لا تتحقق ولا تحصل بتحقق هذه الأمور، لأنها ( السعادة ) تكفي ذاتها بذاتها.

يضيف أرسطو أنه من الجهل القول أن اللهو هو غاية الحياة، وأننا نكد طوال العمر لكي يتاح لنا اللهو. فكل ما يمكن تصوره إنما يطلب من أجل غيره، إلا السعادة فهي غاية في حد ذاتها وليست وسيلة. فالقول بأن المرء يكافح ويكد من أجل اللهو قول صبياني سخيف غاية السخافة والحياة السعيدة هي التي يحياها المرء وفقا للفضيلة وهي حياة جد واجتهاد لا حياة لهو.

ومن منطلقات ثقافية ومعرفية مغايرة، عمل المفكرون المسلمون الذين بحثوا في موضوع السعادة على تأكيد شيئين: أولا ضبط مفهوم اللذة بالتمييز فيه بين اللذة العقلية واللذة الجسدية وثانيا المفاضلة بينهما.

فاللذة هي إدراك للمشتهى، والشهوة هي انبعاث النفس لنيل ما تتشوقه وهي تحصل للملتذ بعد آلام تحلقه. وقد اعتبر الفلاسفة المسلمون اللذة العقلية أعلى شأنا وأرفع منزلة من اللذة البدنية نظرا لمشاركة الحيوان الإنسان في هذه اللذة الأخيرة.

في هذا الإطار هاجم ابن مسكويه بقوة أولئك الذين يحصرون السعادة في اللذة البدنية فاعتبرهم من الرعاع والعامة و الجهال لأنهم جعلوا النفس الشريفة كالعبد الممتهن وكالأجير المستعمل في خدمة النفس الشهوية لتخدمها في المأكل والمشرب وهو سلوك بهيمي. وفي المقابل يشرف ابن مسكويه اللذة العقلية ويرفع من شأنها إلى درجة القداسة أحيانا، فهي لذة تامة وشريفة لا تمل، يختص بها الإنسان وحده.

إن تفضيل اللذة العقلية سيجعل من السعادة خيرا على الإطلاق ـ يقول الفارابي ـ لأننا نطلبها لذاتها كغاية، ونؤثرها لذاتها لا لشيء آخر غيرها، فهي مكتفية بنفسها وكمال لصاحبها.

المحور الثاني: البحث عن السعادة.

هل يمكن تحقيق السعادة وكيف ؟أليست غاية بعيدة المنال وتدخل ضمن ما ينبغي أن يكون؟

ينطلق أبيقور من تصور مادي يجعل من السعادة لذة تلحق النفس والجسد على حد سواء، ضدا على التصورات الصوفية التي كانت تحصرها في النفس فحسب، وتجعل الجسد مصدر التعاسة.

يعتبر أبيقور أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها، وهي الخير الأول الموافق لطبيعتنا والقاعدة التي ننطلق منها في تحديد ما ينبغي اختياره وما ينبغي تجنبه.

كلما كانت اللذة هي الخير الرئيسي والطبيعي فإننا لا نبحث عن أية لذة كانت، بل نحن نتنازل أحيانا عن لذات كثيرة نظرا لما تخلفه من إزعاج، كما نفضل عليها آلاما شديدة إذا ما كانت هذه الآلام تسمح بعد مكابدتها طويلا ، بالفوز بلذة أعظم.

الخير الأعظم في تصور أبيقور هو أن نحسن الاكتفاء بذاتنا، وأن نقتنع بالقليل إن كنا لا نملك الكثير، فالمتعة التي نجدها في تناول طعام بسيط ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أن يزول الألم المتولد عن الحاجة.

فاللذة إذن، هي انعدام الألم في الجسد وغياب الاضطراب في النفس، هذا ما يجعلها أساس الحياة السعيدة وغايتها.

يرى دافيد هيوم بأن رهافة الذوق والإحساس توسع من دائرة سعادتنا ( كالفرح بالحياة والإقبال عليها عند كل حدث طيب) مثلما توسع من دائرة شقائنا وآلامنا عند مصادفة ما هو محزن.

ويلاحظ لدى البعض الآخر رهافة في الذوق ـ ملكة الحكم والتمييز بين القبيح والجميل ـ تتولد عنها حساسية تجاه كل جمال أو قبح أو تشوه. فعندما نقدم قصيدة شعرية أو لوحة فنية لشخص يتمتع بهذه الموهبة، فإن رهافة ذوقه تجعل كل جوارحه ترتعش أمام ما يقدم له.

يعتبر هيوم أن لرهافة الذوق ورقته نفس الأثر الذي لرهافة الإحساس، لأنها توسع من دائرة سعادتنا مثلما توسع من دائرة شقائنا. وتجعلنا أكثر تأثرا بالأفراح والأحزان التي لا يبالي بها باقي الناس.

  • قادر على شفائنا من رقة الإحساس أكثر من تهذيب ذوقنا ليكون راقيا ويؤهلنا للحكم على طباع الناس وعبقريتهم. فرهافة الذوق كإحساس وتأثر بالجمال توسع من مجال سعادة الإنسان وترقى بأحاسيسه. خصوصا إذا ما تم تهذيب هذه الرهافة بدراسة الأعمال الفنية الراقية.

المحور الثالث: السعادة والواجب.

أليست السعادة غاية في مجال العلاقات الإنسانية؟ أليست واجبا أخلاقيا؟

ينفي راسل أن تكون أنواع الموضة والهوايات ـ في كثير من الأحيان ـ مصدرا للسعادة الحقيقية، لأنها مجرد وسائل للهروب من الواقع، ونسيانا للحظات بعض الألم الذي يصعب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتكمن في الاهتمام الودي بالأشخاص والأشياء. فالاهتمام الودي بالأشخاص شكل من أشكال المحبة. ولكن ليس بالشكل الجذاب الذي يتطلب دائما تجاوبا قويا، لأنه كثيرا ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الذي يؤدي إلى السعادة فهو النوع الذي يحب ملاحظة الناس، ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية ويرغب في توفير مجال لاهتمامات وسرور أولئك الذين تربطه معهم علاقات، دونما طلب اكتساب أية سلطة عليهم.

ليس من الصعب إذن، تحقيق سعادة الآخرين، إذ يكفي محاولة التقرب منهم وفهمهم والتعاطف معهم.

موقف آلان ( إميل شارتيي ) إرادة السعادة.

يربط ألان السعادة بالإرادة في إطار فكرته العامة القائلة بقدرة الإنسان على تجاوز شروط وضعه الوجودي. في هذا الإطار يرى ألان بأن السعادة هي أجمل مشهد، لكن من الصعب أن نكون دائما سعداء. لأننا في معركة ضد كثير من الناس والأحداث القاهرة. ومع ذلك فالواجب يلزمنا بالمقاومة وعدم الاستسلام وبأن يطلب المرء سعادته وأن يصنعها.

إن السعادة التي نحصل عليها من أجل ذاتنا هي الهدية الأجمل والأكثر سخاء والتي يمكن إهداؤها للغير. إن كل الجثث والخراب والتبذير هي في تصور ألان من أفعال أناس لم يعرفوا في حياتهم كيف يكونوا سعداء، ولا يطيقون رؤية كل من حاول أن يكون سعيدا. فالذين يعلنون الحروب، ويستعدون لها وبدون أن نبحث لهم عن مبررات هم بدون شك من لا يطيقون رؤية الناس سعداء.

خلاصة:

يرتبط مفهوم السعادة في النقاش الفلسفي بالمجال القيمي الأخلاقيي. ومن ثمة يرتبط بمفاهيم أخرى كالرغبة والإرادة والحرية والواجب. والأهم ما في الأمر ارتباط السعادة كقيمة بالعلاقات الإنسانية على اعتبار أنها مبتغى وغاية إنسانية مشتركة.

 

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact