Overblog Suivre ce blog
Editer la page Administration Créer mon blog
/ / /

 

إن الواجب " أمر أخلاقي " ملزم لكل الناس وهو قيمة عليا تحدد السلوك وتوجه الفعل الإنسانيين وترسم معاييرهما وغاياتهما المقصودة.من هنا يحيل مفهوم الواجب على عدة إشكالات ترتبط بعلاقة الواجب بالحرية والإرادة من جهة، وبشروط الوعي الأخلاقي من جهة أخرى، بالإضافة إلى ارتباط الواجب بسلطة المجتمع كذلك. فمم يستمد الواجب قدرته على الإكراه؟ ما علاقة الواجب بالوعي الأخلاقي؟وما أساس الوعي الأخلاقي، هل يعود إلى الفطرة الإنسانية أم أنه نتاج الوجود الاجتماعي و التاريخي للإنسان؟ وكيف يعيش الفرد التجربة الأخلاقية؟ هل هي تجربة ذاتية مستقلة عن المجتمع؟

المحور الأول: الواجب والإكراه

يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، ولا يتصرف إلا طبقا لإرادته الخاصة. هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي، لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية.

ويرى كانط من جهة أخرى بأن الإرادة لا تخضع دوما لأوامر العقل، لذلك يمارس عليها هذا الأخير نوعا من الإكراه، إلا أنه إكراه حر؛ مادامت الإرادة تخضع للقانون الأخلاقي الصادر عن العقل من أجل مقاومة التأثير الذي تمارسه الميولات الغريزية من جهة، ومن أجل المحافظة على كرامة الإنسان واحترامه من جهة أخرى.

ويميز كانط بين نوعين من الأوامر الأخلاقية؛ أوامر أخلاقية شرطية ترتبط بالنتائج التي تتطلبها الضرورات العملية، فتكون الواجبات في هذه الحالة مجرد وسائل لتحقيق غايات معينة؛ كأن نقول الصدق من أجل أن نكسب ثقة الناس، وأوامر أخلاقية قطعية أو مطلقة، وهي تلك التي تنظر إلى الأفعال في ذاتها لا من حيث النتائج المترتبة عنها؛ كأن نقول الصدق دائما لأنه واجب أخلاقي صادر عن العقل العملي.

هكذا فالواجب المرتبط بهذه الأوامر الأخيرة يتميز بكونه غير مشروط بأية نتائج منتظرة، فهو يحمل غايته في ذاته، كما أنه ذا صبغة كونية وشمولية. وهو زيادة على ذلك يتسم بطابعه الصوري والعقلي المجرد.

وبالرغم من هذا الطابع الصوري والكوني للواجب الأخلاقي عند كانط، فهو يعبر عن حرية الإنسان والتزامه بقوانين كونية نابعة من العقل، كما يجعله يتصرف كما لو كان في نفس الوقت مشرعا وفردا في مملكة الإرادة.

  • جهته ينتقد جون ماري غويو التصور الكانطي واصفا إياه بالصورية والتجريد والمثالية التي تقصي الأهواء وتنفي خصوبة الحياة " بواجب " هو أشبه ما يكون بالأمر العسكري. ويعتبر أن الواجب يوجد في الحياة وقوانينها. إنه شعور وقدرة طبيعية يملكها كل فرد تدفعه إلى الفعل الأخلاقي. و هذا الشعور الداخلي يجعل من الواجب فيضا حيويا خارج كل ضغط أو إكراه.

المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

يمكن تعريف الوعي الأخلاقي أو الضمير الأخلاقي بتلك القدرة على إصدار أحكام معيارية على الأفعال الإنسانية وبالتالي فهذا الوعي هو الذي يضع معايير التمييز بين الرذيلة والفضيلة وبين الممنوع والمباح . فمن أين ينبع هذا الوعي وما هو مصدره ؟

إن روسو يرجع الضمير الأخلاقي الى الطبيعة الفطرية والغريزية في الإنسان والتي تدفعه نحو الخير.فهو يقول أن " في أعماق النفوس البشرية يوجد مبدأ فطري للعدالة والفضيلة " تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير فنصنفها بالخيرة أو الشريرة، وإنني أسمي هذا المبدأ باسم الوعي (روسو) وعي يشبه الأحاسيس الباطنية، تلقائية وعفوية تضمن توافقنا مع الأشياء والأشخاص. أي توافق معاييرنا مع الواجب الأخلاقـــــــــــــــــــــــــــــي.

ومن منظور مغاير يرى فردريك نيتشه أن الوعي الأخلاقي إحساس تأسس على الطابع المأساوي الذي ميز علاقات الناس المنقسمين إلى سادة وعبيد. إن الوعي الأخلاقي نتج عن تلك العلاقة التجارية الأولى بين الدائن و المدين، فضرورة تسديد الدين مثلا تعتبر واجبا والتزاما من طرف الدائن تجاه المدين. ويحق لهذا الأخير أن يعوض دينه بشيء آخر مما يملكه الدائن بما فيه جسده أو زوجته… أو حريته ... إن هذه التقديرات الشنيعة في دقتها هي التي تأخذ قوة القانون وتغدو سلطة للقوي على الضعيف العاجز. فأصل القيم الأخلاقية كالخطأ و الضمير والواجب مستنبتة على هذه الأرض بدماء كثيرة ومأساوية فادحة.

المحور الثالث: الواجب والمجتمع

إن المصدر الوحيد للواجب الأخلاقي حسب إ. دوركايم هو المجتمع، الذي يمارس نوعا من القهر والجبر على الأفراد الذين ينتمون إليه، حيث إنه يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي باعتباره الغاية الأسمى التي تهدف إلى استمرار النظام والتوازن الاجتماعيين. يسلب الواجب الأخلاقي وعي وإرادة الأفراد، لأنه لا يعبر عن سلطة فردية، لكونه نتاج ضمير ووعي جمعيين؛ وبالتالي فإن الأفراد ،باعتبارهم أعضاء في مجتمع ،حينما يتصرفون تصرفا أخلاقيا، فإنهم لا يسلكون إلا بمقتضى القواعد الأخلاقية ذات الطبيعة الإلزامية والإكراهية، يتصف بها الواجب باعتباره ظاهرة اجتماعية بامتياز. فإرادة المجتمع تتجاوز وتفوق إرادة الأفراد، لاعتبار واحد هو أن الإنسان،حسب دوركايم ،لا يمكن أن يكون إنسانا إلا بانتمائه إلى مجتمع محدد.

وحسب هـ. برغسون،لا يجب أن نحصر مفهوم الواجب في بقعة الوطن الضيقة بل علينا أن نوسع منه حتى يشمل الإنسانية بكاملها .فلا ينبغي إنكار أهمية المجتمع في تحديد الواجبات الأخلاقية، غير أنه بالمقابل، لا بد من الانفتاح على الواجبات الإنسانية من حيث هي كذلك .

إذا كانت غاية القيام بالواجب في الفلسفة الأخلاقية هي الواجب ذاته، فإن الأمر معاكس تماما حينما نقارب الواجب الأخلاقي من منظور اجتماعي، حيث تتحدد دلالاته انطلاقا من رغبات الأفراد وإرادتهم، لتصير في الوقت نفسه إرادة المجتمع، تقهر وعي الأفراد فتجعلهم ملزمين بالقيام بالواجب بنوع من الترهيب أو الترغيب الاجتماعيين. نفس الشيء قد يقال عن بعض المذاهب الفلسفية الوجودية حينما اعتبرت الإنسان مشروعا، بمعنى أنه حر في الاختيار؛ لكنها رغم ذلك قيدت تلك الحرية لاعتبار واحد، هو أنه يجب لاختيارات الفرد أن ترتبط بالناس الآخرين وبالإنسانية جمعاء؛ فعندما أختار لنفسي فإنني يجب أن أكون مسؤولا عن اختياري تجاه ذاتي ومجتمعي أيضا.

Partager cette page

Repost 0
Published by

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact