Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
4 janvier 2017 3 04 /01 /janvier /2017 21:13

 

الديموقراطية المغربية بين تهافت السياسة و سياسة التهافت.

إن ما عاشه المغرب خلال بضع سنين الأخيرة من تاريخه السياسي، و منذ إقرار الدستور الجديد مرورا بمحطة السابع من أكتوبر 2016 وصولا إلى ما يعتمل الآن من عسر في مخاض ولادة الحكومة الجديدة، يدفع إلى التأمل في ما يفرز من مفارقات و على مستويات مختلفة: من حيث البدايات و المنطلقات، السيرورة و المجريات، المخلفات و النتائج. تأمل يمكن أن يكون خيطه الناظم التساؤلات التالية: هل هذه المفارقات هي نتاج أخطاء سياسية يمكن أن تحصل في أية ديموقراطية مهما تكن عريقة ومتطورة، أم أنها نتاج سياسة متهافتة ميزت وتميز تجربة سياسية شادة ومستعصية عن أي تصنيف؟ هل ستكون استحقاقات أكتوبر 2016انطلاقة لترتيب الحقل السياسي بالمغرب و مناسبة لإرساء تأصيل أخلاقي و ثقافي و قانوني لممارساتنا السياسية، أم سنتخلف كعادتنا عن القطار ونظل في هذه المحطة التي اصطلح على تسميتها محطة الانتقال الديموقراطي؟

في مستوى أول يمكن الانطلاق من التأكيد أن الدستور الجديد، و رغم كل الانتقادات التي قدمت له، يشكل مرتكزا قانونيا متقدما يمكن أن يؤطر الدينامية السياسية الجديدة. فهو دستور ذي وضع خاص بحيث كان جوابا رسميا على الحراك الشعبي الذي شهده الشارع المغربي و الذي أطرته حركة عشرين فبراير. جواب لبق استطاع أن يحقق أربع أهداف أساسية.

  • تمثل الأول في امتصاص غضب الشارع بتقديم بعض التنازلات التي لم تمس جوهر السلطة. فكان الإعلان عن اقتراح الاستفتاء على دستور جديد مناسبة لتحويل التظاهر الجماهيري المطالب بالتغيير، إلى أعراس مهللة بالفتح الجديد جابت كل شوارع قرى ومدن المملكة.
  • يكمن الهدف الثاني في سحب البساط من تحت أقدام الحركات الراديكالية ، و شرعنة مختلف أشكال العنف التي تعرض لها مناضلوها ووجهت بها تظاهراتها.
  • يكشف الهدف الثالث عن الكيفية التي تم بواسطته تقييم الوزن الجماهيري لبعض القوى المشاركة في الحراك، حيث سمح للعديد من التنظيمات الجماهيرية و السياسية بأن تنسحب من حركة عشرين فبراير، بعد أن لمعت صورتها، لتنخرط و تهلل و بدون حرج سياسي للتحولات القادمة التي ستتيح لبعضها تحقيق مكاسب سياسية كبيرة.
  • وأخيرا كشف الهدف الرابع عن ثمرة ذلك الحراك الجماهري الذي جاءت نتائجه عكسية عما ابتغاه ورمى إليه، إذ تحققت تزكية قوة النظام و تعززت هيمنته، وأصبح بذلك الربان الوحيد في قمرة قيادة سفينة الحياة السياسية بالمغرب. كما أتيحت له فرصة تدبير الأزمة والخروج منها بنتيجة مشرف جدا، فتحكم في مجريات التغيير وفق استراتيجيته و منظوره الخاصين. من ثمة تراج سقف المطالب الجماهيرية، بل تقزمت مطالب حركة عشرين فبراير، من مطلب التغيير الراديكالي لتصبح على أرض الواقع إصلاحا دستوريا محدودا. فحقق النظام التغيير لكن في إطار الاستمرارية التي وضعت لبناتها الأولى منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني. جاءت حكومة ما بعد الاستفتاء لتنجز مهمة محددة تمثلت في تنزيل الدستور و إتمام هيكلته القانونية. لكن سرعان ما تبين أن أطراف متعددة لم تستطع أن تلتزم بالمبادئ التي تم إقرارها في الدستور رغم محدوديتها. فحاولت الحكومة مثلا الالتفاف حول بعض المبادئ التي تعتبرها منافية لمبادئها الأخلاقية. هذا ما كان يفسر تأخر إقرار بعض القوانين التنظيمية، و ما يفسر، كذلك، إفراغ بعض المبادئ الدستورية من مضامينها الحقيقية في شكل قوانين جوفاء. فكان ذلك تجاوزا صارخا للإرادة الشعبية و إيذانا ببداية سلسلة من التراجعات الخطيرة. من زاوية أخرى لاحظناأن مجيئ حكومة بنكيران صاحبته دينامية على مستوى الخطاب السياسي. فبدى الأمر في البدء وكأنه تعبير عن إرادة سياسية لإرساء تقاليد ديموقراطية أساسها رفع التعتيم وفتح الحقل السياسي على المجال العمومي. فكانت الخرجات الإعلامية لرئيس الحكومة تحظى بتتبع شعبي كبير. لكن سرعان ما انتقلت هذه الدينامية إلى مديح لا مشروط لأسلوب البطل السياسي الجديد بنكيران، فأنصاره و بعض المحللين السياسيين اعتبروا ، في بداية ولايته، أن رئيس الحكومة، جعل الخطاب السياسي يدخل البيوت و يتخذ أشكلا تلامس أفهام و هموم عامة المواطنين. لتصبح هذه الدينامية بعد بضع شهور، صخبا سياسيا شبيها بحوار الصم بين منتقدين أشهروا لافتات اللاءات، و مناصرين تمسكوا بشوفينية العربي الذي ينصر أخاه ظالما أو مظلوما. لينتقل الصراع بعد ذلك من مستوى الخطاب السياسي اللبق إلى لغط سياسوي و إلى كلام سوقي جارح، خاصة على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي. لغط أشهر فيه كل طرف و على كل مستويات الهرم السياسي من الزعماء إلى ابسط المناضلين، ما توفر لديه من أسلحة مشروعة سياسيا و أخلاقيا أو غير مشروعة. وسيحتد الصراع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لتنشر أمام الرأي العام الفضائح المالية و الأخلاقية لمناضلي و زعماء حزب العدالة و التنمية و هيئاته و تنظيماته دون غيرهم من الزعماء و المناضلين من الأحزاب المشاركة في الحكومة و كأن هؤلاء حمائم بريئة. فكانت الديموقراطية هي الخاسر الكبير في هذا اللغط فأبعد المواطن نفسه عن الصراع متقززا من مستواه أو جعل منه موضوعا لمسامرات المقاهي.

أما في مستوى ثان، ويتعلق الأمر بالاستحقاقات الانتخابية لشهر أكتوبر. فإذا تميزت بحفاظ الإدارة على حيادها خلال فترة الحملات الانتخابية، و خلال يوم الاقتراع و فرز الأصوات، فقد غطت غيوم قاتمة صفو سماء التجربة. لوحظ من جهة، استمرار الهشاشة الحزبية إن على المستوى التنظيمي أو على المستوى الإيديولوجي. و أعتقد أن الخطاب الافتتاحي للدورة التشريعية العاشرة تضمن إشارة إلى ذلك. فقدقال جلالة الملك، أن ملك المغرب هو ضامن التعددية السياسية في المغرب. ألا يمكن أن نعتبر أن في هذا تحجير على مهام الأحزاب؟ لكن و الحال هذا، من غير الملك يمكن أن يضمن ذلك في ظل أحزاب سياسية متشرذمة و ضعيفة، غير واضحة إيديولوجيا، و غير قادرة على القيام بمهامها كمؤسسات تؤطر المجتمع و تمثل مطامحه؟ و من جهة ثانية لوحظ استمرار تغييب صراع الأفكار و البرامج و الملفات السياسية و الاقتصادية الأساسية من الحملات الانتخابية لتركز ، هذه الأخيرة، على الأشخاص و مكانتهم الاجتماعية و المالية المحلية و كأن الأمر يتعلق بانتخابات جماعية و استحقاقات محلية. و بالإضافة إلى ما سبق، لوحظ الغياب التام للديموقراطية الداخلية الضامنة للمناعة الحزبية و لتجدد النخب. فلا البرامج أفرزتها المشاورات القاعدية. و لا التحالفات نتجت عن اختيارات مبدئية تعبر عن مطامح و تطلعات المناضلين. كل القرارات كانت فوقية فلا القيادات كلفت نفسها عناء تبرير قراراتها في دوريات داخلية أو بيانات عامة. و لا القواعد الحزبية احتجت على ذلك. وفي نفس السياق و من الممارسات التقنية المسيئة للديموقراطية، لوحظ تغييب الهياكل الحزبية و آليات الديموقراطية الداخلية في اختيار مرشحي الأحزاب .بل من المرشحين من فرض فوقيا رغما عن قرارات و اختيارات القواعد محليا. ناهيك عن استمرار اعتماد أساليب غير مشروعة في منح التزكيات لمرشحي الأحزاب و هذا ما يفقه تفاصيله العادي و البادي و يستحوذ على مسامرات الناس في المقاهي و كأن الأمر عادي و لا يستحق أية حركة. ثم ثالثا، الغياب التام لتتبع مالية الحملات الانتخابية و مراقبة صرف المال العام المخصص للانتخابات، مما جعل مطلب الحكامة خارج أي اهتمام. و أما رابعا، فتمثل في إضعاف دور مناضلي الأحزاب بل إقصائهم من حلبة الصراع والمنافسة و تفضيل مول الشكارة، الذي تحول من الغريب تنظيميا و إيديولوجيا إلى زعيم محلي و مالك لناصية الحزب و متحكم في حاضره و مصيره. وأما الممارسة المشينة الخامسة، فتمثلت في السكوت الرسمي في بعض لحظات الحملات الانتخابية على العديد من الخروقات كشراء الأصوات و الولائم... بدا الأمر و كأن هناك تآمرا جماعيا على إفشال التجربة الديموقراطية. ليس المدان فيه الإدارة فقط بل الأحزاب بتخليها عن أدوارها التوعوية و التأطيرية، والنخب السياسية بأنانيتها و نرجسيتها النخبوية ، و المثقفون بنخبويتهم و بعدهم عن الجماهير، و المواطنون بانخراطهم عن جهل أو طمع في الخروقات.

أما في المستوى الثالث، فيتعلق الأمر بنتائج و مخلفات الاستحقاقات الانتخابية و ما أفرزته من مفاجآت. مفاجئات نعتها بعض المتتبعين بالثورة. على اعتبار أن هذه الاستحقاقات كانت حبلى بمؤشرات ذات دلالات خاصة في التجربة الديموقراطية المغربية. فرغم العداءات التي أثارتها سلوكات و تصريحات رئيس الحكومة مع أغلب الفاعلين السياسيين بما فيهم الملك ذاته، ورغم الممارسات و اللغط الذي سبق السابع من أكتوبر، عداءات و ممارسات كانت توحي باندحار مدو و تاريخي لحزب المصباح، فلأول مرة في تاريخ المغرب يحتفظ نفس الحزب و نفس الشخص برئاسة الحكومة لولايتين. ولأول مرة يحافظ نفس الحزب على ثقة صناديق الاقتراع لولايتين. بل وضدا على كل التوقعات يحصد حزب المصباح ماءة و خمس و عشرين مقعدا في مجلس النواب، بزيادة ثمانية عشرة مقعدا إضافيا مقارنة بالاستحقاقات الماضية. المؤشر الثاني، تمثل في بروز نوع من القطبية الحزبية الثنائية. طرفها الثاني إلى جانب حزب المصباح، حزب الأصالة و المعصرة، الذي حصل على ماءة و مقعدين بزيادة خمس و خمسين مقعدا عن الاستحقاقات الفائتة. صحيح أن هذا التقاطب ليس مؤسسا على اختيارات إيديولوجية أو برامجية لكنه رغم ذلك فهو مؤشر إيجابي على إمكانية تطور التجربة نحو قطبية حقيقية تساعد على تجاوز التشرذم الذي طبع المشهد الانتخابي و الذي يستحيل معه إفراز أغلبية قادرة على الحكم بناء على نتائج صناديق الاقتراع. إن مطلب تجاوز التشرذم الحزبي هذا، و تأسيس المشهد الحزبي على تقاطب حقيقي، ليس مطلبا داخليا فقط. بل هو مطلب بعض المؤسسات الدولية و بعض الحكومات الخارجية كذلك، الاتحاد الأوربي و الولايات المتحدة الأمريكية على الخصوص، حيث حاولتا مرارا ممارسة ضغوط على المغرب لإرساء تقاطب ثلاثي أو رباعي: يمين ووسط و يسار، مع إمكانية قبول تيار ذي توجهات إسلامية معتدلة. إن القطبية الحزبية الجديدة فرضت على كل الأحزاب الأخرى أن تلعب أدوار ثانوية. كسد الثغرات وتأثيث التحالفات وفق سيناريوهات يتناوب حزب المصباح و حزب الجرار على البطولة فيها. و إن كان هذا الوضع مريح للأحزاب الصغرى و الطفيلية إلا أنه محرج للأحزاب الوطنية و الديموقراطية ذات الإرث التاريخي الكبير. و أما المؤشر الثالث و الذي أعتبره درسا سياسيا تلقته كل الأحزاب كصفعة أتمنى أن تدفعهم إلى صحوة للضمائر التي ماتت وأماتت معها الحياة السياسية في المغرب، فتمثل في النجاح الذي حققه حزب المصباح. فمقارنة بسيطة للنتائج تفصح عن حقيقة موجعة لكل الأحزاب بما في ذلك الأحزاب التاريخية الكبرى. فإذا كان حزب الأصالة و المعاصرة هو الحزب المعارض الوحيد الذي استطاع أن يحسن نتائجه بزيادة خمس و خمسين مقعدا مقارنة بالاستحقاقات السابقة، فإنه لم يحقق المراد رغم أن التكهنات و الاستطلاعات كانت لا تشكك في ترأسه للحكومة المقبلة. و أما باقي الأحزاب فقد منيت بهزيمة نكراء. خسر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 19 مقعدا. خسر التجمع الوطني للأحرار 15 مقعدا.خسر حزب الاستقلال 14 مقعدا. و حزب التقدم و الاشتراكية خسر 6 مقاعد. خسرت الحركة الشعبية 5مقاعد و الاتحاد الدستوري خسر 4 مقاعد . وأما القادم الجديد الذي يعول عليه اليساريون و أغلب الساخطين على الأحزاب التقليدية، فيديرالية البسار الديموقراطي، فلم يحقق إلا مقعدين بعد تحالف عسير بين ثلاث أحزاب. إن هذه النتائج درس سياسي فحواه، أن نجاح حزب العدالة و التنمية لم يكن محض صدفة، بل كان في نظري نتيجة أمرين أساسيين: الخلفية الإيديولوجية و المتمثلة في إشهار شعارات ذات نفحات أخلاقية دينية. و هو تكتيك تواصلي يستثمر الدين كخطاب يتلقاه المواطن المغربي من مختلف الطبقات، و كأنه بديل عن الخطابات "الديماغوجية" المناسباتية للأحزاب الأخرى. و هو تكتيك ذكي يربط العمل الحزبي ببعد قيمي متأصل في الثقافة المغربية. قد لا يوافقني العديد من المتتبعين هذا التوصيف، بحجة أن الدين ليس مجرد أداة للتواصل بل هو التقعيد الإيديولوجي لسياسة الحزب. فأجيب أن حزب العدالة و التنمية حزب محافظ بعباءة أخلاقية دينية وليس حزبا دينيا كالإخوان المسلمين في مصر مثلا. إن العباءة الأخلاقية لحزب العدالة و التنمية، لا تتمايز عن القيم التي يتبناها المغاربة. فالمغربي لا يرى تناقضا بين التمسك بأوقات الصلاة و الاقتراض من البنك. كما أن رئيس الحكومة لا يرى حرجا في إمساك السبحة بيده اليسرى و مصافحة النساء بيده اليمنى. و من جهة أخرى لم يسبق للحزب أن أعلن رغبته في جعل الشريعة الإسلامية دستورا للبلاد و أساس لقوانينه. كما أنه لم يجعل من الجهاد و المواجهة سلاحا ضد النظام. بل ينتهز كل مناسبة ليعلن أن الحوار و الجدال بالتي هي أحسن سنته و شريعته. في المقابل إن غياب الوضوح الإيديولوجي و نمطية الخطاب عند الأحزاب السياسية الأخرى جعلها تفقد مصداقيتها و مكانتها التنظيمية في خلد و حياة المواطن المغربي. وأما الأمر الثاني الذي كان وراء ما حققه حزب العدالة و التنمية من نجاحات، الانضباط الحزبي لكوادره و مناضليه، بالإضافة إلى تغلغل و التحام المنظمات الجماهيرية و الدعوية للحزب بالمواطنين. بالإضافة إلى استثمار الخطاب الديني و العمل الاحساني لتسهيل هذا التغلغل. في حين كان نشاط الأحزاب الأخرى موسميا مناسباتيا انتخابيا. بالإضافة إلى اندحار منظماتها السياسية و الجماهيرية و النقابية و تراجع شعبيتها و دورها التعبوي و التنظيمي. صحيح أن هذا الوضع لا يزيغ عما يميز المشهد السياسي على المستوى العالمي. مشهد يتميز بسيطرة الاقتصادي على السياسي، تغول العولمة و غياب البعد الفكري و القيمي في الصراع السياسي. بالإضافة إلى سيطرة قيم الرأسمال و سيادة هواجس الربح و الإنتاجية و تقليص تكلفة الإنتاج. هذا كله أنتج عزوفا سياسيا و تراجعا لعمل المنظمات الجماهيرية التقليدية كالنقابات. رغم كل هذا فلاندحار الأحزاب المغربية أمام حزب المصباح أسباب ذاتية عميقة تقتضي نقدا ذاتيا و عملا إصلاحيا جذريا.

و في المستوى الرابع، فيتعلق الأمر بتأخر تشكيل الحكومة لمدة تفوق الشهرين من موعد تعيين الملك لبنكيران لتشكيل الحكومة الجديدة. هل الأمر عاد ويمكن أن تشهده أية ديموقراطية، أم أن الأمر شدود وزيغ لا يحكمه إلا منطق اقتسام الغنيمة الانتخابية؟ دون الدخول في سجال تغيب عنا فيه المعطيات التي يمكن أن تساعد على بلورة موقف واضح، أسجل التالي: إذا كان الدستور الجديد يفرض على الملك اختيار رئيس الحكومة من الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، فإن هذا الدستور لا يفرض على الملك تعيين زعيم ذلك الحزب أو شخص بعينه. و أعتبر أن تعيين بنكيران مؤشر إيجابي تمثل في احترام الملك للإرادة الشعبية و ما افرزته صناديق الاقتراع. لعل ما جعلني إبدي هذه الملاحظة ما سبق استحقاق سابع أكتوبر من نقاش حول التصرفات الغير اللبقة سياسيا لرئيس الحكومة، و التي تمثلت في تطاوله المتكرر على رموز المخزن، بالإضافة إلى إثارته لسخط الملك في ملفات حساسة وفي مناسبات متعددة. إذا كان تشكيل الحكومة يقتضي أغلبية عددية فإن هذا المنطق ليس وحده هو ما يحكم التوافقات السياسية التي ينبغي أن تتأسس على توافق البرامج و التصورات. من هنا يقتضي إرساء ذلك، نقاش مضني يستغرق حيزا زمنيا كافيا. لكن منطق الديموقراطية يقتضي الانفتاح على المواطن عوض حصر الصراع السياسي في الصالونات و الأروقة المغلقة و كأن مهمة المواطن انتهت بانتهاء إدلائه بصوته. صحيح أن هناك بعض الخرجات الإعلامية إلا أنها لم ترق إلى مستوى نقاش سياسي ديموقراطي يحترم ذاته و يحترم المواطن. مما استدعى تدخل الملك لينبه الجميع أن الأمر ليس غنيمة للاقتسام. فمن المنطقي إذن أن يولد تهميش المواطن ردود فعل سلبية تمثلت في نظرته لغياب الحكومة كنعمة من الله جاءت بالخير و الغيث. إن الدستور وتصرفات الملك يتيحان هوامش للتحرك بل للمناورة السياسية لكل من الرئيس المعين والأحزاب المؤهلة للمشاركة في الحكومة القادمة. لكن هذه الأطراف، على ما يبدو، لم تحسن استثمارها. فماغيبه الجميع هو قاعدة ديموقراطية بسيطة، تتمثل في كون أن نتائج الاقتراع هي إثابة أو عقاب شعبيين لهذا التوجه أو ذاك. فمن غير المنطقي إذن أن يخضع النقاش حول تشكيل الحكومة لمنطق مناف للإرادة الشعبية. فكيف يتجرأ حزب ووجه بتصويت عقابي كبير أن يطمع، دون خجل، في التحكم في مواقع حساسة في الحكومة القادمة. فلوكنا في ديموقراطية نسبية لاختلف الأمر. أعتبر أن ما يحدث منطق سياسي متهافت و إساءة عظمى للديموقراطية.

فهل ننتظر مرة أخرى نجدة و تحكيما ملكيين؟ أعتبر و الحال هذا أن المخاض عسير و أن الولادة تجاوزت زمانها، فسواء كانت الولادة قيصرية أو طبيعية فلا يمكن للمولود إلا أن يكون إما مشوها أو ميتا. لكن في مثل هذه الحالة قد لا نبالي بالمولود بل بسلامة الأم. فمطلوب حكومة ميتة أو مشوهة ومطلوب تجاوز هذه السياسة المتهافتة لإنقاد التجربة وحفظ ما الوجه.

ما يمكن استخلاصه، هو أن هناك نوع من المآمرة الجماعية على الديموقراطية في المغرب. هذا يعني أن ما يعيق استثمار إيجابيات المرحلة وما يعيق تحقيق ديموقراطية حقيقية، ليس أخطاء سياسية تصاحب ممارسة هذا أو ذاك بل إنها سياسات خاطئة متهافتة يشارك فيها الجميع. البعض عن قصد و البعض الآخر عن غير قصد. النظام تماشيا مع استراتيجية واضحة المعالم. الأحزاب خدمة لمصالح نخبوية مرحلية ضيقة. المثقفون بتخاذلهم أو سكوتهم. المواطن بمساهمته و مشاركته و مباركته للإفساد. و الخاسر الأكبر في كل هذا هو الديموقراطية وعموم الطبقات التواقة إلى الحرية و إلى الاستفادة من تقاسم حقيقي لثروات البلاد.

المصطفى تودي

خنيفرة 23/12/2016

Partager cet article

Repost 0

commentaires

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact