Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 février 2017 6 25 /02 /février /2017 22:11
لوحة للفنان الصديق محجوب نجماوي

لوحة للفنان الصديق محجوب نجماوي

بعد تأملي للوحة جميلة للفنان الصديق محجوب نجماوي، حضرتني مسامرة رمضانية مع السيدة الوالدة شفاها الله و أطال عمرها. تبادلنا خلالها أطراف الحديث حول بعض عادات و تقاليد قبائل "إشقرن" بمنطقة "لقباب" و قرية "أروكو نآيت إحند" مسقط رأسها. فتناولنا بعض الطقوس و بعض التقاليد التي تشكل موروثا ثقافيا لأمازيغ المنطقة. كطقوس الزواج و أهازيجه،عادات الأكل ،النباتات التي تستخدم في تلوين الصوف أو تلميعه، طرق النسج و رسومات الزرابي، طقوس و عادات الاستسقاء و غيرها من المواضيع... و بما أنني أعتبر السيدة الوالدة ذاكرة حية للتراث المادي و اللامادي للمنطقة فإنني أحتفظ ببعض ما ترويه حول عاداتنا و تقاليدنا التي يطالها النسيان و الاندثار.

"أسندي نغو"

يتعلق الأمر في هذه الورقة المتواضعة،بطريقة إعداد " لبن" بتسكين اللام. فإذا كانت الكلمة العربية " لبن"بفتح اللام،تحيل على المعنى الذي تحمله كلمة "حليب"، فإنها في اللهجة العربية المغربية تحيل معنى مغاير. كلمة"لبن" بتسكين اللام تحيل على حاصل الفصل بين الحليب و الزبدة بعد تخمير الحليب و تحريكه بطريقة خاصة. يقابل كلمة " لْبن" باللغة الفرنسية « Le petit lait » . أما بالأمازيغية المحلية فتسميه قبائل إشقرن " أغو " بفتح الألف و ضم الغين،أما قبائل زيان فتسميه " أغي ندون " بفتح الألف .

قد يصعب تحديد إطار دقيق يرسم تاريخ هذه الممارسة الموغلة في القدم، إلا أن الأكيد أن إعداد " لبن " ممارسة عرفتها ثقافات أخرى. فالثقافات الغربية،مثلا،عرفت هذه الممارسة إلا أنها غالبا ما ارتبطت باستخلاص الزبدة باعتبارها مادة أساسية في العادات الغذائية، أما" لبن" فيقدم كمادة لإرضاع العجول فقط... وحسب السيدة الوالدة، إن صناعة "لبن" اكتست لدى أمازيغ الأطلس طابعا خاصا. إنها ممارسة لا تكمن أهميتها في إبراز عادة من العادات الغذائية عند هذه الجماعة البشرية العريقة، بل إنها ترتبط وثيق الارتباط بنمط عيشهم و بمحيطهم الجغرافي و البيئي.

تحتاج عملية إعداد "لبن" أوان و مواعين بسيطة وقليلة: "تمسندا" و هي ثلاث أعمدة خشبية طول الواحدة منها حوالي متر و نصف، يعلو إحداها ثقب دائري أو فجوة تتسع لتثبيت العمودين الآخرين. و قد تتخذ هذه الفجوة شكل الحرف اللاتيني " V" .أما الآنية الثانية فاسمها بالأمازيغية " ثيويت" عند قبائل إشقير أو "ثكشولت" حسب قبائل زيان. و هي قربة يختلف حجمها باختلاف الأسر و كمية "لبن" المراد إعداده. تصنع "ثيويت" من جلد الخرفان أو الماعز، و غالبا ما تفضل المرأة الأمازيغية جلد الماعز لمتانته و قدرته على التحمل. لكن هناك من يستحسن جلد الخروف أو الشاة للذته حين الرغبة في إعداد أكلة محلية و هي الكسكس بالشكوة أو " أفتال نثيويت " . و أما الآنية الثالثة فهي أربع حبال تستعمل لتعليق " ثيويت " على " تمسندا". غالبا ما تصنع هذه الحبال من الصوف المطعم بوبر الماعز.

ككل القرب يحتاج إعداد " ثيويت " لترتيبات خاصة: يطلب ممن يقوم بعملية سلخ البهيمة الحرص و التريث قصد الحفاظ على سلامة الجلد من إي ثقب. بعد ذلك تسرع المرأة في إعدادها و تنظيفها، قبل أن يجف الجلد و قبل أن يتعفن درءا للروائح الكريهة التي قد تؤثر سلبا على جودة "لبن". يتم إعداد الجلد من خلال ترقيده في خليط من الماء و الملح و مادة تدعى " ثينوات". و "ثينوات" هي حاصل دق قشور شجرة الأرز أو العرعار. تتميز " ثينوات" بطيبها و مذاقها الجميل بالإضافة إلى قدرتها على تنظيف "ثيويت". وتستحسن "ثينوات" المستخلصة من قشور شجرة العارعار لنكهتها الخاصة ولمذاقها الطيب. بعد بضعة أيام تقوم المرأة بحك الجلد بأحجار الملح قصد تخليصه من الصوف أو الوبر، ثم تغسل بعناية بالماء. و أخيرا تجمع و يحكم إغلاق مؤخرة " ثيويت" و يبقى العنق هو الفتحة الوحيدة التي تستعمل حسب الحاجة.

كغيرهم ممن يعتمد نمط عيشهم على الرعي،يعتبر الحليب مادة غذائية أساسية عند الأمازيغي. لذا تقوم المرأة بجمع ما يفضل عن الاستهلاك اليومي،من مادة الحليب، قصد إعداد "لبن". تتفاوت مدة الجمع حسب كمية الحليب الذي تنتجه العائلة و حسب عدد البهائم التي تمتلكها. غالبا ما يخزن الحليب لبضعة أيام في قدرة من الطين توضع في مكان دافئ ، إذا كان الطقس باردا، قصد تسريع عملية التخمير. يسمي الأمازيغ الحليب المخمر "إكيل" بكسر الألف. بعد ذلك،تعد المرأة " تمسندا" ثم تعلق "ثيويت" و تسكب " إكيل" بداخلها. و بعد إحكام إغلاق عنق "ثيويت" تقوم المرأة بتحريكها حتى انتهاء العملية. تسمى هذه العملية "أسندي". إنها حركات متكررة و متأنية نحو الأمام ثم نحو الخلف. ويمكن للمرأة أن تضيف بعض الماء الدافئ إذا أحست أن الخليط بارد. كما أنها قد تستعمل الماء البارد قصد جمع الزبدة إذا أحست أن حرارة الخليط تحول دون تكثيف الزبدة أو تعيق إتمام عملية "أسندي". و بعد أن تلاحظ المرأة أن حبات الزبدة بادية، تقوم بتحريك " ثيويت "بشكل دائري قصد تجميع حبات الزبدة ، ثم تفرغ الكل في إناء ثم تعزل الزبدة بجمعها باليد في شكل كرة. تسمي قبائل إشقرن الزبدة ب" ثالبيشت" أما " أوذي " فيسمى بالدارجة العربية " اسمن" أي الزبدة المملحة و المعتقة. و تعتق " ثالبيشت" في قدر طينية لمدة قد تستمر سنوات. و يعتبر وجود " أوذي " في الخيمة الأمازيغية رمزا للثراء و الأصالة. و مما يبرز أهمية "ثالبيشت" كمادة غذائية مهمة عند الأمازيغي نعته للجمال بهذا الاسم ، فيسمي الفتاة الجميلة ب " ثالبيشت" أو الفتى الوسيم ب " ألبيش".

"ثينوات" و الملح مواد تصلح لتنظيف "ثيويت" حين تحس المرأة بتغير نكهة ومذاق "لبن" . فتغسل " ثيويت" ثم تحكها بالملح و "ثينوات" بعناية ثم تغسلها بالماء. هكذا يترك الملح و ثينوات نكهة و عطرا يضفيان على اللبن ذوقا جميلا و لذيذا.

يمكن ل"ثيويت " أن تكون مكونا أساسيا لأكلة محلية شهية و هي " أفتال نثيويت" أي الكسكس بالشكوة. ما يميز هذه الأكلة هو تعويض اللحم ب"ثيويت" ، أما باقي المكونات فهي نفسها التي تعتمد لإعداد الكسكس الأمازيغي يالحليب. بعد طول استعمال، تغسل "ثيويت" بعناية ثم تعطر بورق "فلييو" و تترك في الظل لتجف ثم تخزن في خرقة نظيفة إلى حين الرغبة في إعداد كسكس ثيويت.

إن إعداد "لبن" و "الكسكس بالشكوة" من العادات التي اندثرت أو تكاد واعتبرت أن من واجبنا نقلها إلى شبابنا قصد الاطلاع على ممارسة تشكل مكونا أساسيا من التراث اللامادي لقبائل الأطلس و خاصة قبائل إشقرن.

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

تقديم

  • : Le blog de Taoudi El Mustapha
  • Le blog de  Taoudi El Mustapha
  • : Cours de Philosophie et Randonnées
  • Contact